سيد قطب
2101
في ظلال القرآن
والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد ؛ ومن تأليه غير اللّه . أو من ربوبية غير اللّه - وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية - فسواء كان الاعتقاد قائما على تعدد الآلهة ؛ أو كان قائما على توحيد الإله مع تعدد الأرباب - أي المتسلطين - فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى ! ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد اللّه وتنحية الأرباب الزائفة ، وإخلاص الدين للّه - أي إخلاص الدينونة للّه وإفراده سبحانه بالربوبية ، أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية ؛ وتصبح بذاتها خطرا على وجود الجاهلية . وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص ، يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي ؛ وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد ، ومن ناحية القيادة ، ومن ناحية الولاء . . الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان . . وعندما يشعر التجمع الجاهلي - بوصفه كيانا عضويا واحدا متساندا - بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية ؛ كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له . . فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام ! إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام ! المعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تماما للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر . فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة ، أو تعدد الأرباب ، ومن ثم يدين فيه العباد للعباد . والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية ؛ ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد . . ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي ، في أول الأمر وهو في دور التكوين ، ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسلم القيادة منه ، وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده . . لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح ، فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام . . ومن هنا ندرك لما ذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام ! . . إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاحتياج ؛ ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد ! * وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها ، فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت ، لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام ! . . إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة ؛ وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة . . « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ : لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » . . فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم ، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص . إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم ، ويندمجوا في تجمعهم ، ويذوبوا في هذا التجمع . أو أن يطردوهم بعيدا وينفوهم من أرضهم . . ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي ، ولا أن يذوبوا فيه ، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص . . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي . . ولم يقولوا - كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام . . ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات - : حسنا ! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم ! ! !