سيد قطب
2086
في ظلال القرآن
وإن وراء هذا التعبير القصير : « لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . . » لآفاقا بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب . وفي عالم الحياة والواقع ، لا يبلغها التعبير البشري ولكنه يشير ! « لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ . . بِإِذْنِ رَبِّهِمْ » . . فليس في قدرة الرسول إلا البلاغ ، وليس من وظيفته إلا البيان . أما إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، فإنما يتحقق بإذن اللّه ، وفق سنته التي ارتضتها مشيئته ، وما الرسول إلا رسول ! « لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ » . . « إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » . . فالصراط بدل من النور . وصراط اللّه : طريقه ، وسنته ، وناموسه الذي يحكم الوجود وشريعته التي تحكم الحياة . والنور يهدي إلى هذا الصراط ، أو النور هو الصراط . وهو أقوى في المعنى . فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون . هو السنة . هو الناموس . هو الشريعة . والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ولا تخطئ التصور ولا تخطئ السلوك . فهي على صراط مستقيم . . « صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » . . مالك القوة القاهر المسيطر المحمود المشكور . والقوة تبرز هنا لتهديد من يكفرون ، والحمد يبرز لتذكير من يشكرون . . ثم يعقبها التعريف باللّه سبحانه . إنه مالك ما في السماوات وما في الأرض ، الغني عن الناس ، المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه : « اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » . . فمن خرج واهتدى فذاك . ولا يذكر عنه شيئا هنا ، إنما يمضي السياق إلى تهديد الكافرين ينذرهم بالويل من عذاب شديد . جزاء كفرهم هذه النعمة . نعمة إرسال الرسول بالكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور . وهي النعمة الكبرى التي لا يقوم لها شكر إنسان . فكيف بالكفران : « وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ » . . ثم يكشف عن صفة تحمل معنى العلة لكفر الكافرين بنعمة اللّه التي يحملها رسوله الكريم : « الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ » . . « وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيَبْغُونَها عِوَجاً ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ » . . فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان ؛ ويتعارض مع الاستقامة على الصراط . وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة ، لأنه عندئذ تصلح الدنيا ، ويصبح المتاع بها معتدلا ، ويراعى فيه وجه اللّه . فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة . إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة ، لا يخسرون متاع الحياة الدنيا - كما يقوم في الأخيلة المنحرفة - فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا . والإيمان باللّه يقتضي حسن الخلافة في الأرض . وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها . إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارا للآخرة ، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان اللّه ، وتمهيدا للآخرة . . هذا هو الإسلام . فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ، فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض ، ومن الكسب الحرام ، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم . . لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان باللّه ، وفي ظل الاستقامة على هداه . ومن ثم يصدون عن سبيل اللّه . يصدون أنفسهم ويصدون الناس ، ويبغونها عوجا لا استقامة فيها ولا عدالة . وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل اللّه ، وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها ، فعندئذ فقط يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن