سيد قطب
1857
في ظلال القرآن
اللّه في إعطاء المخلوقات هذه المقدرات والطاقات ؟ وكيف تترقى الحياة في مدارج الكمال المقدر لها في علم اللّه ، وقد استخلف عليها الإنسان ليؤدي دوره في هذا المجال ؟ إن لكل مخلوق رزقا . هذا حق . وهذا الرزق مذخور في هذا الكون . مقدر من اللّه في سننه التي ترتب النتاج على الجهد . فلا يقعدن أحد عن السعي وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة . ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات . حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة اللّه التي لا تحابي أحدا ، ولا تتخلف أو تحيد . إنما هو كسب طيب وكسب خبيث ، وكلاهما يحصل من عمل وجهد . إلا أنه يختلف في النوع والوصف . وتختلف عاقبة المتاع بهذا وذاك . ولا ننسى المقابلة بين ذكر الدواب ورزقها هنا ؛ وبين المتاع الحسن الذي ذكر في التبليغ الأول . والسياق القرآني المحكم المتناسق لا تفوته هذه اللفتات الأسلوبية والموضوعية ، التي تشارك في رسم الجو في السياق . وهاتان الآيتان الكريمتان هما بدء تعريف الناس بربهم الحق الذي عليهم أن يدينوا له وحده . أي أن يعبدوه وحده . فهو العالم المحيط علمه بكل خلقه ، وهو الرازق الذي لا يترك أحدا من رزقه . وهذه المعرفة ضرورية لعقد الصلة بين البشر وخالقهم ؛ ولتعبيد البشر للخالق الرازق العليم المحيط . ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم ، واطلاعهم على آثار قدرته وحكمته . في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة ؛ لحكمة كذلك خاصة . يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب والعمل والجزاء : « وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . وَلَئِنْ قُلْتَ : إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » . . وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس « 1 » . . وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس . « لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » . والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة : « وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه كان هناك الماء ؛ وكان عرش اللّه سبحانه على الماء . . أما كيف كان هذا الماء ، وأين كان ، وفي أية حالة من حالاته كان . وأما كيف كان عرش اللّه على هذا الماء . . فزيادات لم يتعرض لها النص ، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص ، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده . وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقا من النظريات التي تسمى « العلمية » - حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق - فالنظريات « العلمية » قابلة دائما للانقلاب رأسا على عقب ، كلما اهتدى
--> ( 1 ) ص 1761 - 1763 من الجزء الحادي عشر من هذه الطبعة المنقحة .