سيد قطب
2073
في ظلال القرآن
يخلقهم كما خلقهم مستعدين للهدى أو للضلال ؛ ولم يشأ بعد ذلك أن يقهرهم على الهدى ولا أن يقهرهم على الضلال - حاشاه ! - إنما جعل مشيئته بهم تجري من خلال استجابتهم أو عدم استجابتهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان . أما النص الخامس فيقرر أن الذين كفروا زين لهم مكرهم وصدوا عن السبيل . . وأخذ أمثال هذا النص بمفرده هو الذي ساق إلى الجدل المعروف في تاريخ الفكر الإسلامي حول الجبر والاختيار . . أما أخذه مع مجموعة النصوص - كما رأينا - فإنه يعطي التصور الشامل : وهو أن هذا التزيين وهذا الصد عن السبيل ، إنما كان من جراء الكفر وعدم الاستجابة للّه . أي من جراء تغيير الكفار ما بأنفسهم إلى ما يقتضي أن تجري مشيئة اللّه فيهم بالتزيين والصد والإضلال . وتبقى تكملة لا بد منها لجلاء هذا الموضوع الذي كثر فيه الجدل في جميع الملل . . ذلك أن اتجاه الناس بأنفسهم لا يوقع بذاته مصائرهم . فهذه المصائر أحداث لا ينشئها إلا قدر اللّه ؛ وكل حادث في هذا الكون إنما ينشأ ويقع ويتحقق بقدر من اللّه خاص ؛ تتحقق به إرادته وتتم به مشيئته : « إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » . . وليست هنالك آلية في نظام الكون كله ، ولا حتمية أسباب تنشئ بذاتها آثارا . فالسبب كالأثر كلاهما مخلوق بقدر . . وكل ما يصنعه اتجاه الناس بأنفسهم هو أن تجري مشيئة اللّه بهم من خلال هذا الاتجاه ، أما جريان هذه المشيئة وآثاره الواقعية فإنما يتحقق بقدر من اللّه خاص بكل حادث : « وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ » . وهذا التصور - كما أسلفنا عند مواجهة النص في سياق السورة - يزيد من ضخامة التبعة الملقاة على هذا الكائن الإنساني ؛ بقدر ما يجلو من كرامته في نظام الكون كله . فهو وحده المخلوق الذي تجري مشيئة اللّه به من خلال اتجاهه وحركته . . وما أثقلها من تبعة ! وما أعظمها كذلك من كرامة ! « 1 » وفي السورة كلمة الفصل كذلك في دلالة الكفر وعدم الاستجابة لهذا الحق الذي جاء به هذا الدين ، على فساد الكينونة البشرية ، وتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية فيها ، واختلال طبيعتها وخروجها عن سوائها . فما يمكن أن تكون هناك بنية إنسانية سوية ، غير مطموسة ولا معطلة ولا مشوهة ؛ ثم يعرض عليها هذا الحق ، ويبين لها بالصورة التي بينها المنهج القرآني ؛ ثم لا تستجيب لهذا الحق بالإيمان والإسلام . والفطرة الإنسانية بطبيعتها مصطلحة على هذا الحق في أعماقها ؛ فإذا صدت عنه فإنما يصدها صاحبها لآفة فيه تجعله يختار لنفسه غير هذا الهدى ؛ وتجعله بذلك مستحقا للضلال ، ومستحقا للعذاب ، كما قال اللّه سبحانه في السورة الأخرى ؛ « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ » . . وفي هذه السورة ترد أمثال هذه الآيات الدالة على طبيعة الكفر فتقرر أنه عمى وانطماس بصيرة ، وأن الهدى دلالة على سلامة الكينونة البشرية من هذا العمى ، ودلالة على سلامة القوى المدركة فيها ؛ وأن في صفحة هذا الكون من الدلائل ما يبين عن الحق لمن يتفكرون ولمن يعقلون : * « أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ . الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ
--> ( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « حقيقة الإنسان » في القسم الثاني من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » .