سيد قطب

2069

في ظلال القرآن

والهيمنة والقهر والتقدير والتدبير في حياة الإنسان : * « وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ! » . * « اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ . عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ . سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ - يَحْفَظُونَهُ - مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ » . . * « اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ، وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ » . . * « وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ؟ » . * « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ؟ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ » . * « وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ، يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ! » . وهكذا يحشد المنهج القرآني هذه الشواهد والدلائل في التاريخ البشري ؛ ويحيلها إلى مؤثرات وموحيات ، تخاطب الكينونة البشرية بجملتها في تناسق واتساق . ونقف من هذا الحشد على معلم من معالم هذا المنهج في الدعوة إلى اللّه - على بصيرة - دعوة تخاطب الكينونة البشرية بجملتها ، ولا تخاطب فيها جانبا واحدا من قواها المدركة . . جانب الفكر والذهن ، أو جانب الإلهام والبصيرة ، أو جانب الحس والشعور . . وهذا القرآن ينبغي أن يكون هو كتاب هذه الدعوة ، الذي يعتمد عليه الدعاة إلى اللّه ، قبل الاتجاه إلى أي مصدر سواه . والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس ، وكيف يوقظون القلوب الغافية ، وكيف يحيون الأرواح الخامدة . إن الذي أوحى بهذا القرآن هو اللّه ، خالق هذا الإنسان ، العليم بطبيعة تكوينه ، الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها . . وكما أن الدعاة إلى اللّه يجب أن يتبعوا منهج اللّه في البدء بتقرير ألوهية اللّه - سبحانه - وربوبيته وحاكميته وسلطانه ؛ فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق - على ذلك النحو - كيما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة للّه وحده ، والاعتراف بربوبيته المتفردة وسلطانه . . ولتعريف الناس بربهم الحق ، ونفي كل شبهة شرك ، يعني المنهج القرآني ببيان طبيعة الرسالة ، وطبيعة الرسول . . ذلك أن انحرافات كثيرة في التصور الاعتقادي جاءت لأهل الكتاب من قبل ، من جراء الخلط بين طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة - وبخاصة في العقائد النصرانية - حيث خلعت على عيسى - عليه السلام - خصائص الألوهية وخصائص الربوبية ؛ ودخل أتباع شتى الكنائس في متاهة من الخلافات العقيدية المذهبية بسبب ذلك الخلط المنافي للحقيقة . ولم تكن عقائد النصارى وحدهم هي التي دخلت في تلك المتاهة ؛ فقد خبطت شتى الوثنيات في ذلك التيه ؛ وتصورت للنبوة صفات غامضة ؛ بعضها يصل بين النبوة والسحر ! وبعضها يصل بين النبوة والتنبؤات الكشفية ! وبعضها يصل بين النبوة والجن والأرواح الخفية !