سيد قطب
2067
في ظلال القرآن
* « أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » . . * « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . . * « كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ . قُلْ : هُوَ رَبِّي ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ مَتابِ » . . * « وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ . قُلْ : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ، إِلَيْهِ أَدْعُوا ، وَإِلَيْهِ مَآبِ . وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا . وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ » . . * « وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » . . * « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَسْتَ مُرْسَلًا . قُلْ : كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ » . . وهكذا نلمس في هذه الطائفة من الآيات التي أوردناها طبيعة المواجهة التي كان المشركون يتحدون بها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويتحدون بها هذا القرآن ؛ ثم دلالة هذا التحدي ودلالة التوجيه الرباني إزاءه على طبيعة الفترة التي نزلت فيها السورة من العهد المكي . ومن اللمحات البارزة في التوجيه الرباني لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجهر - في مواجهة الإعراض والتكذيب والتحدي وبطء الاستجابة ووعورة الطريق - بالحق الذي معه كاملا ؛ وهو أنه لا إله إلا اللّه ، ولا رب إلا اللّه ، ولا معبود إلا اللّه ، وأن اللّه هو الواحد القهار ، وأن الناس مردودون إليه فإما إلى جنة وإما إلى نار . . وهي مجموعة الحقائق التي كان ينكرها المشركون ويتحدونه فيها . . وألا يتبع أهواءهم فيصانعها ويترضاها بكتمان شيء من هذا الحق أو تأجيل إعلانه ! مع تهديده بما ينتظره من اللّه لو اتبع أهواءهم في شيء من هذا من بعد ما جاءه من العلم ! . . وهذه اللمحة البارزة تكشف لأصحاب الدعوة إلى اللّه عن طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز لهم الاجتهاد فيها ! وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين ، وألا يخفوا منها شيئا ، وألا يؤجلوا منها شيئا . . وفي مقدمة هذه الحقائق : أنه لا ألوهية ولا ربوبية إلا للّه . ومن ثم فلا دينونة ولا طاعة ولا خضوع ولا اتباع إلا للّه . . فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيا كانت المعارضة والتحدي ؛ وأيا كان الإعراض من المكذبين والتولي ؛ وأيا كان وعورة الطريق وأخطارها كذلك . . وليس من « الحكمة والموعظة الحسنة » إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجيله ، لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه ! أو يعرضون بسببه عن هذا الدين ، أو يكيدون له وللدعاة إليه ! فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمون شيئا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه ؛ ولا أن يبدءوا مثلا من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي ، متجنبين غضب طواغيت الأرض لو بدءوا من إعلان وحدانية الألوهية والربوبية ، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع للّه وحده ! إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده اللّه سبحانه ؛ ومنهج الدعوة إلى اللّه كما سار بها سيدنا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بتوجيه من ربه . . فليس لداع إلى اللّه أن يتنكب هذا الطريق ؛ وليس له أن ينهج غير ذلك المنهج . . واللّه - بعد ذلك - متكفل بدينه ، وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت ! * * *