سيد قطب

1853

في ظلال القرآن

من العبودية للعبيد . . ولما كان اللّه - سبحانه - يريد لعباده العزة والكرامة والاستعلاء فقد أرسل رسله ليردوا الناس إلى عبادة اللّه وحده . وليخرجوهم من عبادة العبيد . . لخيرهم هم أنفسهم . . واللّه غني عن العالمين . إن الحياة البشرية لا تبلغ مستوى الكرامة الذي يريده اللّه للإنسان إلا بأن يعزم البشر أن يدينوا للّه وحده ، وأن يخلعوا من رقابهم نير الدينونة لغير اللّه . ذلك النير المذل لكرامة الإنسان في أية صورة قد كان ! والدينونة للّه وحده تتمثل في ربوبيته للناس وحده . والربوبية تعني القوامة على البشر ، وتصريف حياتهم بشرع وأمر من عند اللّه ، لا من عند أحد سواه . وهذا ما يقرر مطلع هذه السورة الكريمة أنه موضوع كتاب اللّه وفحواه : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ » . . وهذا هو معنى العبادة كما يعرفه العرب في لغتهم التي نزل بها كتاب اللّه الكريم . والإقرار بالرسالة أساس للتصديق بهذه القضايا التي جاءت الرسالة لتقريرها . وكل شك في أن هذا من عند اللّه ، كفيل بتحطيم احترامها الملزم في عالم الضمير . والذين يظنون أنها من عند محمد - مهما أقروا بعظمة محمد - لا يمكن أن تنال من نفوسهم الاحترام الملزم ، الذي يتحرجون معه أن يتفلتوا منها في الكبير أو الصغير . . إن الشعور بأن هذه العقيدة من عند اللّه هو الذي يطارد ضمائر العصاة حتى يثوبوا في النهاية إلى اللّه ، وهو الذي يمسك بضمائر الطائعين ، فلا تتلجلج ولا تتردد ولا تحيد . كما أن الإقرار بالرسالة هو الذي يجعل هناك ضابطا لما يريده اللّه من البشر . كي يتلقى البشر في كل ما يتعلق بالدينونة للّه من مصدر واحد ، هو هذا المصدر . وكيلا يقوم كل يوم طاغوت مفتر يقول للناس قولا ، ويشرع للناس شرعا ، ثم يزعم أنه شرع اللّه وأمره ! بينما هو يفتريه من عند نفسه ! وفي كل جاهلية كان يقوم من يشرع الشرائع ، ومن يقرر القيم والتقاليد والعادات . . ثم يقول : هذا من عند اللّه ! ! ! وما يحسم هذه الفوضى وهذا الاحتيال على الناس باسم اللّه ، إلا أن يكون هناك مصدر واحد - هو الرسول - لقول اللّه . والاستغفار من الشرك والمعصية هو دليل حساسية القلب وانتفاضه ، وشعوره بالإثم ورغبته في التوبة . والتوبة بعد ذلك هي الإقلاع الفعلي عن الذنب ، والأخذ في مقابله في أعمال الطاعة . ولا توبة بغير هذين الدليلين ، فهما الترجمة العملية للتوبة ، وبهما يتحقق وجودها الفعلي ، الذي ترجى معه المغفرة والقبول . . فإذا زعم زاعم أنه تاب من الشرك ودخل في الإسلام ، بينما هو لا يدين للّه وحده ، ولا يتلقى منه وحده عن طريق نبيه ؛ فلا قيمة لهذا الزعم الذي يكذبه واقع الدينونة لغير اللّه . . والبشرى للتائبين والوعيد للمتولين هما قوام الرسالة ، وقوام التبليغ . وهما عنصرا الترغيب والترهيب ، اللذان علم اللّه من طبيعة البشر أنهما الحافز القوي العميق ! والاعتقاد باليوم الآخر ضروري لاكتمال الشعور بأن وراء الحياة حكمة ، وأن الخير الذي تدعو إليه الرسالات هو غاية الحياة ؛ ومن ثم لا بد أن يلقى جزاءه ؛ فإن لم يلقه في هذه الحياة الدنيا فجزاؤه مضمون في العالم الآخر ، الذي تصل فيه الحياة البشرية إلى الكمال المقدر لها . أما الذين يزيغون عن نهج اللّه وحكمته في الحياة فهؤلاء يرتكسون وينتكسون إلى درك العذاب . . وفي هذا ضمان للفطرة السليمة ألا تنحرف . فإن