سيد قطب
2029
في ظلال القرآن
من السجن وجاء بكم من البدو ، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء ، إنه هو العليم الحكيم » . . ويا له من مشهد ! بعد كر الأعوام وانقضاء الأيام . وبعد اليأس والقنوط . وبعد الألم والضيق . وبعد الامتحان والابتلاء . وبعد الشوق المضني والحزن الكامد واللهف الظامئ الشديد . يا له من مشهد حافل بالانفعال والخفقان والفرح والدموع ! ويا له من مشهد ختامي موصول بمطلع القصة : ذلك في ضمير الغيب وهذا في واقع الحياة . ويوسف بين هذا كله يذكر اللّه ولا ينساه : « فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ، وقال : ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين » . . ويذكر رؤياه ويرى تأويلها بين يديه في سجود إخوته له - وقد رفع أبويه على السرير الذي يجلس عليه - كما رأى الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين : « ورفع أبويه على العرش ، وخروا له سجدا ، وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا » . . ثم يذكر نعمة اللّه عليه : « وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي » . . ويذكر لطف اللّه في تدبيره لتحقيق مشيئته : « إن ربي لطيف لما يشاء » . . يحقق مشيئته بلطف ودقة خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها : « إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » . . ذات التعبير الذي قاله يعقوب وهو يقص عليه رؤياه في مطلع القصة : « إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » . . ليتوافق البدء والختام حتى في العبارات . وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير ، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان ، والرغد والأمان . . . ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر ! كل دعوته - وهو في أبهة السلطان ، وفي فرحة تحقيق الأحلام - أن يتوفاه ربه مسلما وأن يلحقه بالصالحين : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ . تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » . . « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ » . . آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله . فذلك من نعمة الدنيا . « وعلمتني من تأويل الأحاديث » . . بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها . فذلك من نعمة العلم .