سيد قطب

2017

في ظلال القرآن

ثم أخذوا يحرجونه بالتلويح له بمصلحة أهلهم الحيوية في الحصول على الطعام : « ونمير أهلنا » . . والميرة الزاد ، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم . . « ونحفظ أخانا » . . ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم : « ونزداد كيل بعير » . . وهو ميسور لهم حين يرافقهم : « ذلك كيل يسير » . . ويبدو من قولهم : « ونزداد كيل بعير » أن يوسف - عليه السلام - كان يعطي كل واحد وسق بعير - وهو قدر معروف - ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد . وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب ، كي يظل هناك قوت للجميع : واستسلم الرجل على كره ؛ ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطا : « قال : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من اللّه : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم » . . أي لتقسمن لي باللّه قسما يربطكم ، أن تردوا عليّ ولدي ، إلا إذا غلبتم على أمركم غلبا لا حيلة لكم فيه ، ولا تجدي مدافعتكم عنه : « إلا أن يحاط بكم » . . وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم . فأقسموا : « فلما آتوه موثقهم قال : اللّه على ما نقول وكيل » . . زيادة في التوكيد والتذكير . وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز : « وقال : يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة . وما أغني عنكم من اللّه من شيء . إن الحكم إلا للّه ، عليه توكلت ، وعليه فليتوكل المتوكلون » . . ونقف هنا أمام قول يعقوب - عليه السلام - : « إن الحكم إلا للّه » . . وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم اللّه القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك . وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئا . وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره . وحكم اللّه القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار . . وإلى جانبه حكم اللّه الذي ينفذه الناس عن رضي منهم واختيار . وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي . . وهذا كذلك لا يكون إلا للّه . شأنه شأن حكمه القدري ، باختلاف واحد : هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه . فيترتب