سيد قطب

2013

في ظلال القرآن

في هذا المجتمع الوليد ، وفق حجم هذه الحاجات يومئذ وشكلها وملابساتها ، وهي أمور كلها في ضمير الغيب - كما أسلفنا - ولا يمكن التكهن بها سلفا ، ولا يمكن الاشتغال بها من اليوم على سبيل الجد المناسب لطبيعة هذا الدين ! إن هذا لا يعني - بحال - أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلا من الوجهة الشرعية . ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له ، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه - بل الذي لا تعيش هذه الأحكام إلا به - ليس قائما الآن فعلا . ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقا بقيام ذلك المجتمع . . ويبقى الالتزام بها قائما في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي ؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية . . إن إدراك طبيعة النشأة الإسلامية على هذا النحو الذي لا يتغير ، كلما قامت الجاهلية وقامت في وجهها محاولة إسلامية . . هو نقطة البدء في العمل الحقيقي البناء لإعادة هذا الدين إلى الوجود الفعلي ، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ أن حلت شرائع البشر محل شريعة اللّه في خلال القرنين الأخيرين ؛ وخلا وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام ؛ وإن بقيت المآذن والمساجد ، والأدعية والشعائر ؛ تخدر مشاعر الباقين على الولاء العاطفي الغامض لهذا الدين ؛ وتوهمهم أنه لا يزال بخير ؛ وهو يمحى من الوجود محوا ! إن المجتمع المسلم وجد قبل أن توجد الشعائر ، وقبل أن توجد المساجد . . وجد من يوم أن قيل للناس : اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ، فعبدوه . ولم تكن عبادتهم له ممثلة في الشعائر ، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت . إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة له وحده - من ناحية المبدأ فلم تكن بعد قد نزّلت شرائع ! - وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة للّه وحده سلطان مادي في الأرض تنزلت الشرائع ؛ وحين واجهوا الحاجات الحقيقية لحياتهم هم استنبطت بقية أحكام الفقه ، إلى جانب ما ورد بنصه في الكتاب والسنة . . وهذا هو الطريق وحده ؛ وليس هنالك طريق آخر . . وليت هنالك طريقا سهلا عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلة في الدعوة باللسان ، وببيان أحكام الإسلام ! ولكن هذه إنما هي « الأمانيّ » ! فالجماهير لا تتحول أبدا من الجاهلية وعبادة الطواغيت ، إلى الإسلام وعبادة اللّه وحده إلا عن ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة . . والذي يبدؤه فرد ، ثم تتبعه طليعة ، ثم تتحرك هذه الطليعة في وجه الجاهلية لتعاني ما تعاني حتى يحكم اللّه بينها وبين قومها بالحق ويمكّن لها في الأرض . . ثم . . يدخل الناس في دين اللّه أفواجا . . ودين اللّه هو منهجه وشرعه ونظامه الذي لا يرضى من الناس دينا غيره : « ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه » . . ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف - عليه السلام . إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية . كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكما مطاعا لا خادما في وضع جاهلي . وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه . وقد توارى العزيز وتوارى الملك تماما . . * * *