سيد قطب

2007

في ظلال القرآن

وهو المأخوذ من قوله تعالى : « فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ » ومن قول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « إنا واللّه لا نولي هذا العمل أحدا سأله » . . لقد نشأ هذا الحكم - كما نزلت تلك النصوص - في مجتمع مسلم ؛ ليطبق في هذا المجتمع ؛ وليعيش في هذا الوسط ؛ وليلبي حاجة ذلك المجتمع . وفق نشأته التاريخية ، ووفق تركيبه العضوي ، ووفق واقعه الذاتي . فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي . . وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي . وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي . . إسلامي في نشأته ، وفي تركيبه العضوي ، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة . . وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر « فراغا » بالقياس إلى ذلك الحكم ، لا يملك أن يعيش فيه ، ولا يصلح له ، ولا يصلحه كذلك ! . . ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي . وإن كنا في هذا المقام لا نفصل إلا هذا الحكم بمناسبة ذلك السياق القرآني . . ونريد أن نفهم لما ذا لا يزكي الناس أنفسهم في المجتمع المسلم ، ولا يرشحون أنفسهم للوظائف ، ولا يقومون لأشخاصهم بدعاية ما كي يختاروا لمجلس الشورى أو للإمامة أو للإمارة . . . إن الناس في المجتمع المسلم لا يحتاجون لشيء من هذا لإبراز أفضليتهم وأحقيتهم . كما أن المناصب والوظائف في هذا المجتمع تكليف ثقيل لا يغري أحدا بالتزاحم عليه - اللهم إلا ابتغاء الأجر بالنهوض بالواجب وللخدمة الشاقة ابتغاء رضوان اللّه تعالى - ومن ثم لا يسأل المناصب والوظائف إلا المتهافتون عليها لحاجة في نفوسهم . وهؤلاء يجب أن يمنعوها ! ولكن هذه الحقيقة لا تفهم إلا بمراجعة النشأة الطبيعية للمجتمع المسلم ، وإدراك طبيعة تكوينه العضوي أيضا . . إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع . فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية . . أولا : تجيء العقيدة من مصدرها الإلهي متمثلة في تبليغ الرسول وعمله - على عهد النبوات - أو متمثلة في دعوة الداعية بما جاء من عند اللّه وما بلغه رسوله - على مدار الزمان بعد ذلك - فيستجيب للدعوة ناس ؛ يتعرضون للأذى والفتنة من الجاهلية الحاكمة السائدة في أرض الدعوة . فمنهم من يفتن ويرتد ، ومنهم من يصدق ما عاهد اللّه عليه فيقضي نحبه شهيدا ومنهم من ينتظر حتى يحكم اللّه بينه وبين قومه بالحق . . هؤلاء يفتح اللّه عليهم ، ويجعل منهم ستارا لقدره ، ويمكن لهم في الأرض تحقيقا لوعده بنصر من ينصره ، والتمكين في الأرض له ، ليقيم مملكة اللّه في الأرض - أي لينفذ حكم اللّه في الأرض - ليس له من هذا النصر والتمكين شيء ؛ إنما هو نصر لدين اللّه ، وتمكين لربوبية اللّه في العباد . وهؤلاء لا يقفون بهذا الدين عند حدود أرض معينة ؛ ولا عند حدود جنس معين ؛ ولا عند حدود قوم أو لون أو لغة أو مقوّم واحد من تلك المقوّمات البشرية الأرضية الهزيلة السخيفة ! إنما ينطلقون بهذه العقيدة الربانية ليحرروا « الإنسان » . . كل الإنسان : في « الأرض » . . كل الأرض . . من العبودية لغير اللّه ؛ وليرفعوه عن العبودية للطواغيت أيا كانت هذه الطواغيت « 1 » .

--> ( 1 ) يراجع فصل « الجهاد في سبيل اللّه » في كتاب : « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .