سيد قطب
1991
في ظلال القرآن
إن معنى عبد في اللغة : دان ، وخضع ، وذل . . ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في أول الأمر أداء الشعائر . . إنما كان هو معناه اللغوي نفسه . . فعند ما نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر . قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه . إنما كان المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي . كان المقصود به هو الدينونة للّه وحده ، والخضوع له وحده ، واتباع أمره وحده . سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية ، أو تعلق بتوجيه أخلاقي ، أو تعلق بشريعة قانونية . فالدينونة للّه وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص اللّه - سبحانه - بها نفسه ؛ ولم يجعلها لأحد من خلقه . . وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لما ذا جعل يوسف - عليه السلام - اختصاص اللّه بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم . فالعبادة - أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره . . وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود ، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة . فكله حكم تتحقق به الدينونة . ومرة أخرى نجد أن منازعة اللّه الحكم تخرج المنازع من دين اللّه - حكما معلوما من الدين بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة اللّه وحده . . وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين اللّه قطعا . وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان اللّه وخصائصه . . فكلهم سواء في ميزان اللّه . ويقرر يوسف - عليه السلام - أن اختصاص اللّه - سبحانه - بالحكم - تحقيقا لاختصاصه بالعبادة - هو وحده الدين القيم : « ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » . . وهو تعبير يفيد القصر . فلا دين قيما سوى هذا الدين ، الذي يتحقق فيه اختصاص اللّه بالحكم ، تحقيقا لاختصاصه بالعبادة . . « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . . وكونهم « لا يعلمون » لا يجعلهم على دين اللّه القيم . فالذي لا يعلم شيئا لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه . . فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ، لم يعد من الممكن عقلا وواقعا وصفهم بأنهم على هذا الدين ! ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام . ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء . فاعتقاد شيء فرع عن العلم به . . وهذا منطق العقل والواقع . . بل منطق البداهة الواضح . لقد رسم يوسف - عليه السلام - بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين ، وكل مقومات هذه العقيدة ؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزا شديدا . . إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعيا أخص خصائص الألوهية ، وهو الربوبية . أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه ، ودينونتهم لفكره وقانونه . وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه - ولو لم يقله بلسانه - فالعمل دليل أقوى من القول . وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس . فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلا أن الحكم للّه وحده ، لأن العبادة لا تكون إلا للّه وحده ، والخضوع للحكم عبادة . بل هي أصلا مدلول العبادة .