سيد قطب

1960

في ظلال القرآن

* إن مصر في هذه الفترة لم يكن يحكمها الفراعنة من الأسر المصرية ؛ إنما كان يحكمها « الرعاة » الذين عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب قريبا منهم ، فعرفوا شيئا عن دين اللّه منهم . نأخذ هذا من ذكر القرآن للملك بلقب « الملك » في حين يسمى الملك الذي جاء على عهد موسى - عليه السلام - من بعد بلقبه المعروف . « فرعون » . . ومن هذا يتحدد زمن وجود يوسف - عليه السلام - في مصر فهو كان ما بين عهد الأسرة الثالثة عشرة والأسرة السابعة عشرة ؛ وهي أسر « الرعاة » الذين سماهم المصريون « الهكسوس » ! كراهية لهم ؛ إذ يقال : إن معنى الكلمة في اللغة المصرية القديمة : « الخنازير » أو « رعاة الخنازير » ! وهي فترة تستغرق نحو قرن ونصف قرن . * إن رسالة يوسف عليه السلام كانت في هذه الفترة . وهو كان قد بدأ الدعوة إلى الإسلام . . ديانة التوحيد الخالص . . وهو في السجن ؛ وقرر أنها دين آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؛ وقررها في صورة واضحة كاملة دقيقة شاملة . فيما حكاه القرآن الكريم من قوله : « إني تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه ، وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك باللّه من شيء ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم اللّه الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان ، إن الحكم إلا للّه ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه . ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون » . . وهي صورة للإسلام واضحة كاملة ودقيقة شاملة - كما جاء به رسل اللّه جميعا - من ناحية أصول العقيدة . تحتوي ، الإيمان باللّه ، والإيمان بالآخرة ، وتوحيد اللّه وعدم الشرك به أصلا ، ومعرفة اللّه سبحانه بصفاته . . الواحد ، القهار . . والحكم بعدم وجود حقيقة ولا سلطان لغيره أصلا ؛ ومن ثم نفي الأرباب التي تتحكم في رقاب العباد ، وإعلان السلطان والحكم للّه وحده ، ما دام أن اللّه أمر ألا يعبد الناس غيره . ومزاولة السلطان والحكم والربوبية هي تعبيد للناس مخالف للأمر بعبادة اللّه وحده . وتحديد معنى « العبادة » بأنها الخضوع للسلطان والحكم والإذعان للربوبية ، وتعريف الدين القيم بأنه إفراد اللّه سبحانه بالعبادة - أي إفراده بالحكم - فهما مترادفان أو متلازمان : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » . . وهذه هي أوضح صورة للإسلام وأكملها وأدقها وأشملها . . وواضح أن يوسف - عليه السلام - عندما سيطر على مقاليد الأمور في مصر ، استمر في دعوته للإسلام على هذا النحو الواضح الكامل الدقيق الشامل . . ولا بد أن الإسلام انتشر في مصر على يديه - وهو يقبض على أقوات الناس وأزوادهم لا على مجرد مقاليد الحكم بينهم - وانتشر كذلك في البقاع المجاورة ممن كانت وفودها تجيء لتقتات مما تم ادخاره بحكمته وتدبيره - وقد رأينا إخوة يوسف يجيئون من أرض كنعان المجاورة في الأردن ضمن غيرهم من القوافل ليمتاروا من مصر ويتزودوا ، مما يصور حالة الجدب التي حلت بالمنطقة كلها في هذه الفترة . والقصة تشير إلى آثار باهتة للعقيدة الإسلامية التي عرف الرعاة شيئا عنها في أول القصة ، كما تشير إلى انتشار هذه العقيدة ووضوحها بعد دعوة يوسف بها . والإشارة الأولى وردت في حكاية قول النسوة حين طلع عليهن يوسف : « فلما رأينه أكبرنه ، وقطّعن أيديهن وقلن : حاش للّه ! ما هذا بشرا . إن هذا إلا ملك كريم » . .