سيد قطب

1955

في ظلال القرآن

من السقوط فعلا . ولقد شعر بضعفه إزاء كيد النسوة . ومنطق البيئة ، وجو القصور ، ونسوة القصور أيضا ! ولكنه تمسك بالعروة الوثقى . . ليست هنالك لمحة واحدة مزوّرة في واقعية الشخصية وطبيعيتها ؛ وليس هنالك رائحة من مستنقعات الجاهلية ووحلها الفني ! ذلك أن هذا هو الواقع السليم بكل جوانبه . . * والعزيز . . وشخصيته بطبيعتها الخاصة ، وبطبيعة سمت الإمارة ؛ ثم بضعف النخوة ، وغلبة الرياء الاجتماعي وستر الظواهر وإنقاذها ! وفيه تتمثل كل خصائص بيئته : « فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ، قالَ : إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ، وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ، إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ! » . . * والنسوة . . نسوة هذا المجتمع بكل ملامحه . . اللغط بسيرة امرأة العزيز وفتاها الذي راودته عن نفسه ، بعد ما شغفها حبا ! والاستنكار الذي تبدو فيه غيرة النسوة من امرأة العزيز أكثر مما يبدو فيه استنكار الفعلة ! ثم وهلتهن أمام طلعة يوسف . ثم إقرارهن الأنثوي العميق بموقف المرأة التي كن يلغطن بقصتها ويستنكرن موقفها ؛ وإحساس هذه المرأة بهذا الإقرار الذي يشجعها على الاعتراف الكامل ، وهي آمنة في ظل استسلامهن لأنوثتهن كما تصنعها بيئتهن الخاصة وتوجهها . ثم ميلهن كلهن على يوسف بالإغراء والإغواء ، رغم ما أنطقتهن به الوهلة الأولى من نظافته وطهارته البادية من قولهن : « حاشَ لِلَّهِ ! ما هذا بَشَراً ، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » . . نأخذ ذلك من قولة يوسف عليه السلام : « قال : رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين » . . فلم تعد امرأة العزيز وحدها تراوده ؛ ولكن عادت نسوة تلك الطبقة بجملتها تطارده ! * والبيئة . . التي تتجلى سماتها من خلال ذلك كله . ثم من خلال ذلك التصرف في أمر يوسف ، على الرغم مما بدا من براءته . ذلك التصرف المقصود به مواراة الفضيحة ودفن معالمها ؛ ولا يهم أن يذهب بريء كيوسف ضحيتها : « ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين » . . * فإذا تابعنا شخصية يوسف - عليه السلام - فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة ملامح هذه الشخصية ، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئية الواقعية ، المتمثلة في كونه « العبد الصالح - الإنسان - بكل بشريته ، مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه » . . فهو في السجن وظلماته - مع الظلم وظلماته ! - لا يغفل عن الدعوة لدينه ، في كياسة وتلطف - مع الحزم والفصل - وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها . . كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصه وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه : « ودخل معه السجن فتيان . قال أحدهما : إني أراني أعصر خمرا ، وقال الآخر : إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه . نبئنا بتأويله ، إنا نراك من المحسنين . قال : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك باللّه من شيء ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صاحبي السجن ، أأرباب متفرقون خير أم اللّه الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان ، إن الحكم إلا اللّه ،