سيد قطب

1937

في ظلال القرآن

مصطلح : « المعاملات » على ما يكون بين الناس بعضهم وبعض من تعامل . . إن هذا جاء متأخرا عن عصر نزول القرآن الكريم ؛ ولم يكن هذا التقسيم معروفا في العهد الأول . ولقد كتبنا من قبل في كتاب « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » شيئا عن تاريخ هذه المسألة نقتطف منه هذه الفقرات : « إن تقسيم النشاط الإنساني إلى « عبادات » و « معاملات » مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة « الفقه » . ومع أنه كان المقصود به - في أول الأمر - مجرد التقسيم « الفني » الذي هو طابع التأليف العلمي ، إلا أنه - مع الأسف - أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور ، تبعها - بعد فترة - آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها ؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة « العبادة » إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط ، الذي يتناوله « فقه العبادات » . بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط ، الذي يتناوله « فقه المعاملات » ! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي . « ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى « العبادة » أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة ، أولا وأخيرا . « وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم ، ونظام الاقتصاد ، والتشريعات الجنائية ، والتشريعات المدنية ، وتشريعات الأسرة . وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج . . « ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى « العبادة » في حياة الإنسان . . والنشاط الإنساني لا يكون متصفا بهذا الوصف ، محققا لهذه الغاية - التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني - إلا حين يتم هذه النشاط وفق المنهج الرباني ؛ فيتم بذلك إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية ؛ والاعتراف له وحده بالعبودية . . وإلا فهو خروج عن العبادة لأنه خروج عن العبودية . أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها اللّه . أي خروج عن دين اللّه ! « وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم « العبادات » وخصوها بهذه الصفة - على غير مفهوم التصور الإسلامي - حين تراجع في مواضعها في القرآن ، تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها . وهي أنها لم تجىء مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم « المعاملات » . . إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ، ومرتبطة في المنهج التوجيهي . باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج « العبادة » التي هي غاية الوجود الإنساني ، وتحقيقا لمعنى العبودية ، ومعنى إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية . « إن ذلك التقسيم - مع مرور الزمن - جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا « مسلمين » إذا هم أدوا نشاط « العبادات » - وفق أحكام الإسلام - بينما هم يزاولون كل نشاط « المعاملات » وفق منهج آخر . . لا يتلقونه من اللّه ولكن من إله آخر . . ! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة ما لم يأذن به اللّه ! « وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو - فإنما يخرج من هذه الوحدة ، أو بتعبير آخر : يخرج من هذا الدين . « وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ؛ ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني » « 1 » .

--> ( 1 ) ص 129 - ص 130 من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » نشر « دار الشروق »