سيد قطب

1933

في ظلال القرآن

وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن اللّه في الأمم . فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير اللّه ، في صورة من صوره ، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية ، لا يأخذها اللّه بالعذاب والتدمير . فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ، ويفسد فيها المفسدون ، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد ، أو يكون فيها من يستنكر ، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد ، فإن سنة اللّه تحق عليها ، إما بهلاك الاستئصال . وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال ! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده ، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره ، هم صمام الأمان للأمم والشعوب . . وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية اللّه وحده ، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره . . إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب ، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب اللّه ، واستحقاق النكال والضياع . . والتعقيب الأخير عن اختلاف البشر إلى الهدى وإلى الضلال ، وسنة اللّه المستقيمة في اتجاهات خلقه إلى هذا أو ذاك : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً . وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ - وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » . . لو شاء اللّه لخلق الناس كلهم على نسق واحد ، وباستعداد واحد . . نسخا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها . وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض . وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه اللّه في الأرض . ولقد شاء اللّه أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته . وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه . وأن يختار هو طريقه ، ويحمل تبعة الاختيار . ويجازى على اختياره للهدى أو للضلال . . هكذا اقتضت سنة اللّه وجرت مشيئته . فالذي يختار الهدى كالذي يختار الضلال سواء في أنه تصرف حسب سنة اللّه في خلقه ، ووفق مشيئته في أن يكون لهذا المخلوق أن يختار ، وأن يلقى جزاء منهجه الذي اختار . شاء اللّه ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة - إلا الذين أدركتهم رحمة اللّه - الذين اهتدوا إلى الحق - والحق لا يتعدد - فاتفقوا عليه . وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال . ومن المقابل الذي ذكره النص : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » . . يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة اللّه لهم مصير آخر هو الجنة تمتلئ بهم كما تمتلئ جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق ، والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة ! والخاتمة الأخيرة . خطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن حكمة سوق القصص إليه في خاصة نفسه للمؤمنين . فأما الذين لا يؤمنون فليلق إليهم كلمته الأخيرة ، وليفاصلهم مفاصلة حاسمة ، وليخل بينهم وبين ما ينتظرهم في غيب اللّه . ثم ليعبد اللّه ويتوكل عليه ، ويدع القوم لما يعملون . .