سيد قطب
1265
في ظلال القرآن
إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها . وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها ! على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود « أنواع » من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض ؛ بفعل الظروف السائدة في الأرض ، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها ، ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة . ولكن هذا لا « يحتم » أن يكون بعضها « متطورا » من بعض . . وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا . . لا تستطيع أن تثبت - في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا . . وهذا يمكن تعليله كما قلنا . . بأن الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع . فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر فنشأ . ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشا من قبل في الظروف الأخرى فانقرض . وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة ، في الزمن الذي علم اللّه أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع ، وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية وتفرد « الإنسان » من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية . هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون - وفيهم الملحدون باللّه كلية - للاعتراف به ، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية ، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي « 1 » ! على أية حال لقد أعلن اللّه بذاته العلية الجليلة ميلاد هذا الكائن الإنساني ؛ في حفل حافل من الملأ الأعلى : « ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ . فَسَجَدُوا . إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ » . . والملائكة خلق آخر من خلق اللّه لهم خصائصهم ووظائفهم ؛ لا نعلم عنهم إلا ما أنبأنا الله من أمرهم - وقد أجملنا ما علمنا اللّه من أمرهم في موضع سابق من هذه الظلال « 2 » - وكذلك إبليس فهو خلق غير الملائكة . لقوله تعالى : « إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » . . والجن خلق غير الملائكة ، لا نعلم عنه كذلك إلا ما نبأنا اللّه من أمره - وقد أجملنا ما أنبأنا اللّه به من أمرهم في موضع من هذا الجزء أيضا « 3 » - وسيأتي في هذه السورة أن إبليس خلق من نار . فهو من غير الملائكة قطعا . وإن كان قد أمر بالسجود لآدم في زمرة الملائكة . في ذلك الحفل العظيم الذي أعلن فيه الملك الجليل ، ميلاد هذا الكائن الفريد . . فأما الملائكة - وهم الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - فقد سجدوا مطيعين منفذين لأمر اللّه ، لا يترددون ولا يستكبرون ولا يفكرون في معصية لأي سبب ولأي تصور ولأي تفكير . . هذه طبيعتهم ، وهذه خصائصهم : وهذه وظيفتهم . . وإلى هنا تتمثل كرامة هذا الكائن الإنساني على اللّه ، كما تتمثل الطاعة المطلقة في ذلك الخلق المسمى بالملائكة من عباد اللّه . وأما إبليس فقد امتنع عن تنفيذ أمر اللّه - سبحانه - وعصاه . وسنعلم : ما الذي حاك في صدره ، وما التصور
--> ( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « حقيقة الحياة » وفصل « حقيقة الإنسان » في القسم الثاني من : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » . ( 2 ) ص 1041 - 1044 الجزء السابع ( 3 ) ص 1208 - 1209 : الجزء الثامن