سيد قطب

1256

في ظلال القرآن

إلا أن تكون الحاكمية العليا للّه في حياة البشر ، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء . فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره ، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته . . وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن للّه شريكا في خلق الكون وتدبيره وتصريفه ؛ ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلّا للّه وحده . ولا يتلقى الشرائع والقوانين ، والقيم والموازين ، والعقائد والتصورات إلا من اللّه ، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع اللّه . هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد . . فأين منها البشرية كلها اليوم ؟ إن البشرية تنقسم شيعا كلها جاهلية . شيعة ملحدة تنكر وجود اللّه أصلا وهم الملحدون . . فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان ! وشيعة وثنية تعترف بوجود إله ، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأربابا كثيرة . كما في الهند ، وفي أواسط إفريقية ، وفي أجزاء متفرقة من العالم . وشيعة « أهل كتاب » من اليهود والنصارى . وهؤلاء أشركوا قديما بنسبة الولد إلى اللّه . كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه - لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع . وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلا ! . . ثم هم اليوم يقصون حاكمية اللّه بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها « الرأسمالية » و « الاشتراكية » . . وما إليها . ويقيمون لأنفسهم أوضاعا للحكم يسمونها « الديمقراطية » و « الديكتاتورية » . . . وما إليها . ويخرجون بذلك عن قاعدة دين اللّه كله ، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم ، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم . وشيعة تسمي نفسها « مسلمة » ! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذوك النعل بالنعل ! - خارجة من دين اللّه إلى دين العباد . فدين اللّه هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه . ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم ! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية ؛ وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية . . شيعها جميعا لا تتبع دين اللّه أصلا . . وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة ، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور . ثم إدخالها في دين اللّه بعد ذلك من ناحية النظام والواقع . . وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية ، المستنيمة للمستنقع الآسن ، الضالة في تيه الجاهلية ، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه ! . . وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة : أشهد أن لا إله إلا اللّه . وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه اللّه وحده ، ولا يعبد معه سواه . وتحقيق ميلاد للإنسان جديد ، يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد ، ومن عبادة هواه ! إن الإسلام ليس حادثا تاريخيا ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه . . إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة ؛ في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد . . . التي واجهها أول مرة . إن الجاهلية حالة ووضع ؛ وليست فترة تاريخية زمنية . . والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض ، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع . . إنها تقوم ابتداء على قاعدة : « حاكمية العباد للعباد » ، ورفض حاكمية اللّه المطلقة للعباد . . تقوم على أساس أن يكون « هوى الإنسان » في أية