سيد قطب
1181
في ظلال القرآن
« كذلك يدل ذلك الحشد على مدى الأهمية التي ينوطها هذا الدين بتخليص مظهر الحياة كله من ظلال حاكمية البشر في أي شأن من شؤون البشر - جل أم حقر ، كبر أم صغر - وربط أي شأن من هذه الشؤون بالأصل الكبير الذي يتمثل فيه هذا الدين . . وهو حاكمية اللّه المطلقة التي تتمثل فيها ألوهيته في الأرض ، كما تتمثل ألوهيته في الكون كله بتصريف أمر هذا الكون كله بلا شريك « 1 » . . هذه المناسبة التي كانت حاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - والتي عالجها سياق السورة على هذا النحو الذي سبقت الإشارة إليه في هذه المقتطفات . . هي هي موضوع بقية السورة التي سنعالجها في هذا الجزء . بعد ما مضى الشطر الأول من السورة في عرض قضية الألوهية والعبودية في محيطها الشامل ؛ وانتهى السياق إلى مواجهة هذه المناسبة الواقعية ، فربط بينها وبين القضية الكبرى ، ذلك الربط القوي المباشر . إن السياق القرآني يحشد - لمواجهة تلك التقاليد الجاهلية في تحريم بعض المطاعم وتحليل بعضها ؛ وفي النذور من الثمار والأنعام والأولاد - حشدا ضخما من المؤثرات والتقريرات ؛ ويربطها بجملة من الحقائق والقواعد ، هي حقائق هذا الدين وقواعده الأساسية ؛ ويقدم لها ويعقب عليها تقدمات ضخمة وتعقيبات هائلة ؛ مما يدل على الأهمية البالغة التي ينوطها هذا الدين ، بتخليص الحياة كلها من قبضة الجاهلية ؛ وردها بجملتها إلى الإسلام . . أي إلى سلطان اللّه وحده . . وهكذا يبدأ السياق بتقدمة لهذه القضية عن إحاطة مشيئة اللّه بالعباد جميعا : جنهم وإنسهم . وجريان الأحداث في هذه العوالم بمشيئته وقدره ؛ واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن ؛ وإمهاله لهم ، ليقترفوا ما هم مقترفون ؛ ولو شاء اللّه لقهرهم على الهدى ولكفهم عن الضلال قهرا أو لهداهم إلى الحق وشرح صدورهم له . أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم . فهم لا يعادون الرسل ، ولا يقترفون ما يقترفون ، خروجا على سلطان اللّه ومشيئته ؛ فهم أعجز من أن يخرجوا على سلطان اللّه ومشيئته . إنما هي مشيئة اللّه اقتضت أن يترك لهم الخيار والقدرة على الهدى وعلى الضلال ؛ وهم في قبضته على كل حال : « وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون . ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وليرضوه ، وليقترفوا ما هم مقترفون » . . فإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل سنة يجري بها قدر اللّه . وأن هؤلاء الشياطين ، على كل ما يرتكبونه ، هم في قبضة اللّه . استنكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يبتغي « حكما » غير اللّه . . هكذا على الإطلاق ، في أي شأن وفي أي أمر . . ذلك أن تحكيم غير اللّه في شأن هذه المطاعم هو كالتحكيم لغير اللّه في كل شأن . وهو إقامة ربوبية غير ربوبية اللّه ينكرها رسول اللّه . . وأعقب ذلك تقرير أن كلمة ربه قد تمت بهذا الكتاب وبهذه الشريعة فلم يعد هناك قول لقائل ، ولا حكم لبشر . وحذر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يطيع البشر في دين اللّه ؛ فإن أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ؛ ولا علم عندهم يستيقن ؛ ومن يطعهم يضلوه . واللّه وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده . . وكان ذلك كله تمهيدا للأمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ان كان المسلمون مؤمنين ، والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه . وتحذيرهم أن يطيعوا أولياء الشياطين في شيء من التحليل والتحريم . وإلا فهم مثلهم مشركون : وأنهيت الفقرة ببيان عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان ، والدوافع التي تدفع بالكافرين إلى هذا الذي يقترفون : « أفغير اللّه أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم
--> ( 1 ) ص 1017 - 1018 من الجزء السابع .