سيد قطب
1236
في ظلال القرآن
* ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء ، وتصريفها لكل شيء ، وعن استخلاف اللّه للناس كيف شاء ، وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عندما يشاء . وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق ، والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل . محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق . . ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني . يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى . . وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط اللّه المستقيم : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم . وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام ؛ وقد أعطاه اللّه كتابا فصل فيه كل شيء ، وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء اللّه في الآخرة : « ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً ، لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » . ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك ، الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى ، المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها ، رجاء أن ينال الناس - حين يتبعونها - رحمة اللّه في الدنيا والآخرة : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » . . ولقد نزل هذا الكتاب قطعا لحجة العرب ، كيلا يقولوا : إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى ؛ ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم ، فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم ، ويقطع هذه الحجة عليهم ، فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليم : « أَنْ تَقُولُوا : إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا . وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا : لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ . . . فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها ؟ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ » . . لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب ؛ ولكنهم ما يزالون يشركون باللّه ؛ ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة اللّه ، بينما كتاب اللّه قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه . وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه . ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً . قُلِ : انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ » . وعند هذا الحد يفصل اللّه - سبحانه - بين نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وسائر الملل المتفرقة التي لا تقوم على توحيد اللّه عقيدة وشريعة . ويقرر أن أمرهم إليه - سبحانه وتعالى - وأنه هو محاسبهم ومجازيهم وفق عدله ورحمته : « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » . وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع - وهو الإيقاع الأخير في السورة - في تسبيحة ندية رخية ، حازمة كذلك حاسمة ، تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين : التوحيد المطلق ، والعبودية الخالصة ،