سيد قطب
1211
في ظلال القرآن
منه مشهدا منذ لحظة ينتظركم ؛ وإنه لآت لا ريب فيه ، ولن تفلتوا يومها ، ولن تعجزوا اللّه القوي المتين . وتنتهي التعقيبات بتهديد آخر ملفوف ، عميق الإيحاء والتأثير في القلوب : « قُلْ : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه ، والحق الذي وراءه ؛ ومن القوة التي في الحق ، والقوة التي وراء الحق . . التهديد من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه نافض يديه من أمرهم ، واثق مما هو عليه من الحق ، واثق من منهجه وطريقه ، واثق كذلك مما هم عليه من الضلال ، وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون : « إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . . فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف . . إنه لا يفلح المشركون ، الذين يتخذون من دون اللّه أولياء . وليس من دون اللّه ولي ولا نصير . والذين لا يتبعون هدى اللّه . وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين . . وقبل أن نمضي مع سياق السورة حلقة جديدة ، نقف وقفة سريعة مع هذه الحلقة الوسيطة بين حديث عن تشريع الذبائح - ما ذكر اسم اللّه عليه وما لم يذكر اسم اللّه عليه - وحديث عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد . . هذه الحلقة التي تضمنت تلك الحقائق الأساسية من حقائق العقيدة البحتة ؛ كما تضمنت مشاهد وصورا وتقريرات عن طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ؛ وعن المعركة بين الشياطين من الإنس والجن وبين أنبياء اللّه والمؤمنين بهم ؛ كما تضمنت ذلك الحشد من المؤثرات الموحية التي سبقت نظائرها في سياق السورة وهو يواجه ويعرض . حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل . . نقف هذه الوقفة السريعة مع هذه الحلقة الوسيطة ؛ لنرى كم يحفل المنهج القرآني بهذه الواقعيات العملية ، وهذه الجزئيات التطبيقية في الحياة البشرية ؛ وكم يحفل بانطباقها على شريعة اللّه ؛ وعلى تقرير الأصل الذي يجب أن تستند إليه ؛ وهو حاكمية اللّه . . أو بتعبير آخر ربوبية اللّه . . فلما ذا يحفل المنهج القرآني هكذا بهذه القضية ؟ يحفل بها لأنها من ناحية المبدأ تلخص قضية « العقيدة » في الإسلام ؛ كما تلخص قضية « الدين » . فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة : أن لا إله إلا اللّه . وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية للّه . ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها للّه . . والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة . فهو من ثمّ مزاولة لحق الألوهية ، يأباه المسلم إلا اللّه . . والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم - العملي - كما هو الأمر في العقيدة القلبية - لألوهية واحدة هي ألوهية اللّه ، ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير اللّه من العباد المتألهين ! والتشريع هو مزاولة للألوهية ، والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية . . ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا للّه وحده ؛ ويخلع ويرفض الدينونة لغير اللّه من العباد المتألهين ! من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية ، والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية . . والقرآن المكي - كما أسلفنا في التقديم لهذه السورة في الجزء السابع « 1 » - لم يكن يواجه قضية النظام والشرائع في حياة الجماعة المسلمة ؛ ولكنه كان يواجه قضية العقيدة
--> ( 1 ) ص 1004 - 1015 .