سيد قطب
1206
في ظلال القرآن
هذا المقطع بجملته ليس منفصلا عن الدرس السابق . إنما هو امتداد له . من جنس الموجات المتعاقبة التي يتضمنها . . فهو من ناحية استطراد في بيان مصائر شياطين الإنس والجن - بعد ما بين مصير الذين يستقيمون على صراط اللّه - وهو من ناحية استطراد في قضية الإيمان والكفر التي تذكر في هذا الموضع من السورة بمناسبة قضية الحاكمية والتشريع . وربط لهذه القضية الأخيرة بالحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية ؛ ومنها حقيقة الجزاء في الآخرة على الكسب في الدنيا - بعد النذارة والبشارة - وحقيقة سلطان اللّه القادر على الذهاب بالشياطين وأوليائهم وبالناس جميعا واستبدال غيرهم بهم ، وحقيقة ضعف البشر جملة أمام بأس اللّه . وكلها حقائق عقيدية تذكر في معرض الحديث عن التحليل والتحريم في الذبائح - قبلها - ثم يجيء بعدها الحديث في الحلقة التالية عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد ؛ وعن تقاليد الجاهلية وتصوراتها في هذه الشؤون ؛ فيلتحم الحديث عن هذه القضايا جميعا ؛ وتبدو في وضعها الطبيعي الذي يضعها فيه هذا الدين . وهي أنها كلها مسائل اعتقادية على السواء . لا فرق بينها في ميزان اللّه ، كما يقيمه في كتابه الكريم . لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح اللّه صدورهم للإسلام ؛ فتبقى قلوبهم ذاكرة لا تغفل ؛ وأنهم ماضون إلى دار السلام ، منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته . . فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض « مشاهد القيامة » « 1 » - يعرض شياطين الإنس والجن ، الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وخداعا وإضلالا ؛ ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي ؛ ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه اللّه لهم من الحلال والحرام . . يعرضهم في مشهد شاخص حي ، حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب ، فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن . « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ! وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ! قالَ : النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها - إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ
--> ( 1 ) يراجع كتاب : « مشاهد القيامة في القرآن » . « دار الشروق » .