سيد قطب
1198
في ظلال القرآن
إِلهاً واحِداً » أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام . وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ ) . . فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير . . وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ، ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك - أن من أطاع بشرا في شريعة من عند نفسه ، ولو في جزئية صغيرة ، فإنما هو مشرك . وإن كان في الأصل مسلما ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضا . . مهما بقي بعد ذلك يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه بلسانه . بينما هو يتلقى من غير اللّه ، ويطيع غير اللّه . وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإننا نرى الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم اللّه ، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية ؛ ولم يقبل منها شرعا ولا حكما . . . إلا في حدود الإكراه . . فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ . . » فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال : « استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم اللّه عليها ، وإن كان الذابح مسلما » . . « وقد اختلف الأئمة رحمهم اللّه في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : « فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة . وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا . وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين . وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين . وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري . واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين ، واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد : « فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ » . . ثم قد أكد ذلك بقوله : « وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » والضمير قيل : عائد على الأكل ، وقيل : عائد على الذبح لغير اللّه . وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : « إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه عليه فكل ما أمسك عليك » . وهما في الصحيحين . وحديث رافع بن خديج : « ما أنهر الدم وذكر اسم اللّه عليه فكلوه » . وهو في الصحيحين أيضا . . . « والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية ، بل هي مستحبة ، فإن تركها عمدا أو نسيانا لا يضر . وهذا مذهب الإمام الشافعي ، رحمه اللّه ، وجميع أصحابه . ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل . وهو رواية عن الإمام مالك ، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه . وحكي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء بن أبي رباح . واللّه أعلم . وحمل الشافعي الآية الكريمة : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » على ما ذبح لغير اللّه كقوله تعالى : « أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » . وقال ابن جريج عن عطاء : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » . . قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس . . وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي . . . « وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » قال : هي الميتة . وقد استدل لهذا المذهب بما رواه