سيد قطب
703
في ظلال القرآن
في أمرهم فئتين . . مما يوحي بعدم التناسق في التصور الإيماني وفي التنظيم القيادي ( من ناحية عدم فهم المجموع لوظيفة القيادة وعلاقتهم بها في مثل هذه الشؤون ) . . وقد يكون هؤلاء جميعا مجموعة واحدة من المنافقين ؛ أو مجموعتين : المنافقين . وضعاف الإيمان ، الذين لم تنضج شخصيتهم الإيمانية - ولو كان بعضهم من المهاجرين . . ولكن وجود تلك المجموعة أو هاتين المجموعتين في الصف المسلم - وهو يواجه العداوات المحيطة به في المدينة من اليهود ، وفي مكة من المشركين ، وفي الجزيرة العربية كلها من المتربصين . . من شأنه أن يحدث خلخلة في الصف ؛ تحتاج إلى تربية طويلة ، وإلى جهاد طويل ! ونحن نرى في هذا الدرس نماذج من هذا الجهاد ، ومن هذه التربية . وعلاجا لكل خبيئة في النفس أو في الصف . في دقة ، وفي عمق ، وفي صبر كذلك ، يتمثل في صبر النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - قائد هذا الصف ، الذي يتولى تربيته بالمنهج القرآني : « أ » نرى الأمر بالحذر ، فلا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى ، للسرايا أو المهام الجهادية . بل يخرجون « ثبات » أي سرايا أو فصائل . . أو يخرجون جميعا في جيش متكامل . لأن الأرض حولهم ملغمة ! والعداوات حولهم شتى ، والكمين قد يكون كامنا بينهم من المنافقين ، أو ممن يؤويهم المنافقون واليهود من عيون الأعداء المتربصين ! « ب » ونرى تصويرا منفرا للمبطئين يبدو فيه سقوط الهمة ؛ وحب المنفعة القريبة ؛ والتلون من حال إلى حال ، حسب اختلاف الأحوال ! وكذلك نرى التعجيب من حال أولئك الذين كانوا شديدي التحمس في مكة للقتال ، فلما كتب عليهم في المدينة عراهم الجزع . « ج » ونرى وعد اللّه لمن يقاتلون في سبيل اللّه ، بالأجر العظيم ، وإحدى الحسنيين : « وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » . . « د » ونرى تصوير القرآن لشرف القصد ، وارتفاع الهدف ، ونبل الغاية ، في القتال الذي يدفعهم إليه . . « فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً » . . « ه » كما نرى تصوير القرآن لأحقية الغاية التي يجاهد لها الذين آمنوا وقوة السند ؛ إلى جانب بطلان غاية الذين كفروا وضعف سندهم فيها : « الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ . فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . . « و » ونرى معالجة المنهج القرآني للتصورات الفاسدة ، التي تنشأ عنها المشاعر الفاسدة والسلوك الضعيف . وذلك بتصحيح هذه التصورات الاعتقادية . . مرة في بيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة : « قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا » . . ومرة في تقرير حتمية الموت ونفاذ المقدر فيه ؛ مهما يتخذ المرء من الاحتياط ، ومهما ينكل عن الجهاد : « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » . . ومرة في تقرير حقيقة قدر اللّه وعمل الإنسان : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ؟ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » . . « ز » ونرى القرآن يؤكد حقيقة الصلة بين اللّه - سبحانه - ورسوله - صلى اللّه عليه وسلّم - وأن طاعته من