سيد قطب
699
في ظلال القرآن
للناس ، على أنها هي هذا الدين . ويقولون لهم : انظروا كم هو ميسر هذا الدين ! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير ، يبحثون عن « منافذ » لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص ؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين ! وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك . إنما هو بجملته . برخصه وعزائمه . ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي ، حين يعزم . ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة : العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء . . ولا تكون كلها ذات طعم واحد . . ولا يقال عن أحدها : إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر ! في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء ؛ وينبت الزيتون والرمان ، وينبت التفاح والبرقوق ، وينبت العنب والتين . . . وينضج كله ؛ مختلفة طعومه ورتبه . . ولكنه كله ينضج . ويبلغ كماله المقدر له . . إنها زرعة اللّه . . في حقل اللّه . . برعاية اللّه . . وتيسير اللّه « 1 » . . وفي نهاية هذه الجولة ، ونهاية هذا الدرس ، يعود السياق إلى الترغيب ؛ واستجاشة القلوب ؛ والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب . . متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين . « وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ! ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً » . . إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب ، فيه ذرة من خير ؛ وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة ، في جوار اللّه الكريم . . وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي . . إنما هي من فضل اللّه . فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها . . إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم . ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة ؛ وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه . . وهو - صلى اللّه عليه وسلم - بين ظهرانيهم . فتنزل هذه الآية : فتندي هذا الوجد ؛ وتبل هذه اللهفة . . الوجد النبيل . واللهفة الشفيفة : قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب السقمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير . قال : جاء رجل من الأنصار إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو محزون . فقال له النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا فلان . ما لي أراك محزونا ؟ » فقال : يا نبي اللّه . شيء فكرت فيه . فقال : « ما هو ؟ » قال : نحن نغدو عليك ونروح . ننظر إلى وجهك ، ونجالسك . وغدا ترفع مع النبيين ، فلا نصل إليك . . فلم يرد عليه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - شيئا . فأتاه جبريل بهذه الآية : « وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ » . . الآية ، فبعث النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فبشره . وقد رواه أبو بكر بن مردويه مرفوعا - بإسناده - عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : « جاء رجل إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا رسول اللّه . إنك أحب إليّ من نفسي ، وأحب إليّ من أهلي ، وأحب إليّ من ولدي . وإني لأكون في البيت ، فأذكرك ، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك . وإذا ذكرت موتي
--> ( 1 ) يراجع فصل : « منهج ميسر » في كتاب : « هذا الدين » . « دار الشروق » .