سيد قطب
682
في ظلال القرآن
في هذا الزمان - أصبح متهما ، وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين ، الذين يعملون لحسابهم ، في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان . . بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحيانا ، أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم ، الذين يسحقون لهم الحق وأهله . ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام . ليبعدوا الشبهة تماما عن أخلص حلفائهم ، الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة ! ولكنهم لا يكفون أبدا عن تشويه الإسلام وأهله . . لأن حقدهم على الإسلام ، وعلى كل شبح من بعيد لأي بعث إسلامي ، أضخم من أن يداروه . . ولو للخداع والتمويه ! إنها جبلة واحدة ، وخطة واحدة ، وغاية واحدة . . هي التي من أجلها يجبههم اللّه باللعنة والطرد ، وفقدان النصير . والذي يفقد نصرة اللّه فما له من ناصر وما له من معين ولو كان أهل الأرض كلهم له ناصر وكلهم له معين : « أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ . وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً » . . ولقد يهولنا اليوم أن نجد دول الغرب كلها نصيرا لليهود . فنسأل : وأين وعد اللّه بأنه لعنهم ، وأن من يلعن اللّه فلن تجد له نصيرا ؟ ولكن الناصر الحقيقي ليس هو الناس . ليس هو الدول . ولو كانت تملك القنابل الإيدروجينية والصواريخ . إنما الناصر الحق هو اللّه . القاهر فوق عباده : ومن هؤلاء العباد من يملكون القنابل الإيدروجينية والصواريخ ! واللّه ناصر من ينصره . . « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » واللّه معين من يؤمن به حق الإيمان ، ويتبع منهجه حق الاتباع ؛ ويتحاكم إلى منهجه في رضى وفي تسليم . . ولقد كان اللّه - سبحانه - يخاطب بهذا الكلام أمة مؤمنة به ، متبعة لمنهجه ، محتكمة إلى شريعته . وكان يهوّن من شأن عدوها - اليهود - وناصريهم . وكان يعد المسلمين النصر عليهم لأنهم - اليهود - لا نصير لهم . وقد حقق اللّه لهم وعده . وعده الذي لا يناله إلا المؤمنون حقا . والذي لا يتحقق إلا على أيدي العصبة المؤمنة حين تقوم . فلا يهولنا ما نلقاه من نصرة الملحدين والمشركين والصليبيين لليهود . فهم في كل زمان ينصرونهم على الإسلام والمسلمين . . فليست هذه هي النصرة . . ولكن كذلك لا يخدعننا هذا . فإنما يتحقق هذا الأمر للمسلمين ! يوم يكونون مسلمين ! وليحاول المسلمون أن يجربوا - مرة واحدة - أن يكونوا مسلمين . ثم يروا بأعينهم إن كان يبقى لليهود نصير . أو أن ينفعهم هذا النصير ! وبعد التعجيب من أمرهم وموقفهم وقولهم ؛ وإعلان اللعنة عليهم والخذلان . . يأخذ في استنكار موقفهم من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمين ؛ وغيظهم من أن يمن اللّه عليهم هذه المنة . . منة الدين والنصر والتمكين . وحسدهم لهم على ما أعطاهم اللّه من فضله . وهم لم يعطوهم من عندهم شيئا ! ويكشف في الوقت ذاته عن كزازة طبيعتهم ؛ واستكثار أي عطاء يناله غيرهم ؛ مع أن اللّه قد أفاض عليهم وعلى آبائهم ، فلم يعلمهم هذا الفيض السماحة ؛ ولم يمنعهم من الحسد والكنود :