سيد قطب

672

في ظلال القرآن

ابتداء من هذا الدرس في السورة ، تبدأ المعركة التي يخوضها القرآن بالجماعة المسلمة ، في مواجهة الجاهلية المحيطة بها - واليهود من أهل الكتاب خاصة - تلك المعركة التي شهدنا مواقعها ومجالاتها في سورتي البقرة وآل عمران من قبل . . وهي هي . . والمعسكرات المعادية هي هي كذلك ! المعسكرات التي تحدثنا عنها في تقديم سورة البقرة « 1 » ، وفي تقديم سورة آل عمران « 2 » ، وفي تقديم هذه السورة كذلك « 3 » . ابتداء من هذا الدرس تبدأ المعركة الخارجية . معركة الجماعة المسلمة مع المعسكرات المعادية من حولها . . ولكن هذا في الحقيقة ليس بدء المعركة . فكل ما سبق في السورة من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والأخلاقية ؛ ومحو الملامح الجاهلية - في المجتمع المسلم الذي التقطه المنهج الرباني من سفح الجاهلية - وتخطيط وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة في هذا المجتمع . . كل ذلك لم يكن بعيدا عن المعركة الخارجية مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة خاصة ؛ وفي الجزيرة عامة . . إنما كان التمهيد الحقيقي لها ، والاستعداد الحقيقي لمواجهتها . . كانت تلك معركة البناء . بناء هذا المجتمع الجديد ، على أسس المنهج الإسلامي الجديد ؛ كي يستطيع أن يواجه المجتمعات المعادية من حوله ، ويتفوق عليها . وكما رأينا في سورتي البقرة وآل عمران العناية تتجه أولا إلى بناء هذا المجتمع من داخله . بناء عقيدته وتصوراته ، وأخلاقه ومشاعره ، وتشريعاته وأوضاعه ، إلى جانب تعليم الجماعة المسلمة كل شيء عن طبيعة أعدائها ، ووسائلهم ، وتحذيرها من كيدهم ومكرهم ، وتوجيهها إلى المعركة معهم بقلوب مطمئنة ، وعيون مفتوحة ، وإرادات محشودة ، ومعرفة بطبيعة المعركة وطبيعة الأعداء . . كذلك نجد الأمر هنا في هذه السورة ، سواء بسواء . لقد كان القرآن فيها جميعا ، يخوض المعركة بالجماعة المسلمة ، في كل جبهة . . كان يخوضها في الضمائر والمشاعر ، حيث ينشئ فيها عقيدة جديدة ، ومعرفة بربها جديدة ، وتصورا للوجود جديدا ، ويقيم فيها

--> ( 1 ) الجزء الأول ص 27 - 35 . ( 2 ) الجزء الثالث ص 349 - 356 . ( 3 ) الجزء الرابع : ص 554 - 571 .