سيد قطب
670
في ظلال القرآن
يجعلونها في برنامج حياتهم اليومي . فإذا كانت هذه هي « حكمة الوضوء » فلا داعي للوضوء إذن للصلاة ! بل . . لا داعي للصلاة أيضا ! ! وكثيرا ما ذكر عن « حكمة الصلاة » . . . تارة أنها حركات رياضية تشغل الجسم كله وتارة بأنها تعويد على النظام : أولا في مواقيتها . وثانيا في حركاتها . وثالثا في نظام الصفوف والإمامة . . . إلخ . وتارة أنها الاتصال باللّه في الدعاء والقراءة . . وهذا وذاك وذلك قد يكون مقصودا . . ولكن الجزم بأن هذا أو ذاك أو ذلك هو « حكمة الصلاة » يتجاوز المنهج السليم والحد المأمون . وقد جاء حين من الدهر قال بعضهم فيه : إنه لا حاجة بنا إلى حركات الصلاة الرياضية . فالتدريبات الرياضية المنوعة كفيلة بهذا بعد أن أصبحت الرياضة فنا من الفنون ! وقال بعضهم : ولا حاجة بنا إلى الصلاة لتعود النظام . فعندنا الجندية - مجال النظام الأكبر . وفيها غناء ! وقال بعضهم : لا حاجة لتحتيم شكل هذه الصلاة . فالاتصال باللّه يمكن أن يتم في خلوة ونجوة بعيدا عن حركات الجوارح ، التي قد تعطل الاستشراف الروحي ! وهكذا . . إذا رحنا « نحدد » حكمة كل عبادة . وحكمة كل حكم . ونعلله تعليلا وفق « العقل البشري » أو وفق « العلم الحديث » ثم نجزم بأن هذا هو المقصود . . فإننا نبعد كثيرا عن المنهج السليم في مواجهة نصوص اللّه وأحكامه . كما نبعد كذلك عن الحد المأمون . ونفتح الباب دائما للمماحكات . فوق ما تحتمله تعليلاتنا من خطأ جسيم . وبخاصة حين نربطها بالعلم . والعلم قلب لا يثبت على حال . وهو كل يوم في تصحيح وتعديل ! وهنا في موضوعنا الحاضر - موضوع التيمم - يبدو أن حكمة الوضوء أو الغسل ، ليست هي « مجرد » النظافة . وإلا فإن البديل من أحدهما أو من كليهما ، لا يحقق هذه « الحكمة » ! فلا بد إذن من حكمة « أخرى » للوضوء أو الغسل . تكون متحققة كذلك في « التيمم » . . ولا نريد نحن أن نقع في الغلطة نفسها فنجزم ! ولكننا نقول فقط : إنها - ربما - كانت هي الاستعداد النفسي للقاء اللّه ، بعمل ما ، يفصل بين شواغل الحياة اليومية العادية ، وبين اللقاء العظيم الكريم . . ومن ثم يقوم التيمم - في هذا الجانب - مكان الغسل أو مكان الوضوء . . ويبقى وراء هذا علم اللّه الكامل الشامل اللطيف ؛ بدخائل النفوس ، ومنحنياتها ودروبها ، التي لا يعلمها إلا اللطيف الخبير . . ويبقى أن نتعلم نحن شيئا من الأدب مع الجليل العظيم العلي الكبير . . ونقف مرة أخرى أمام حرص المنهج الرباني على الصلاة ؛ وعلى إقامتها في وجه جميع الأعذار والمعوقات . وتذليل هذه المعوّقات . والتيسير البادي في إحلال التيمم محل الوضوء ، ومحل الغسل ، أو محلهما معا ، عند تعذر وجود الماء ؛ أو عند التضرر بالماء ( أو عند الحاجة إلى الماء القليل للشرب وضروريات الحياة ) وكذلك عند السفر ( حتى مع وجود الماء في أقوال ) . . إن هذا كله يدل - بالإضافة إلى ما سيأتي في السورة من بيان كيفية الصلاة عند الخوف - في ميدان القتال - على حرص شديد من المنهج الرباني ، على الصلاة . . بحيث لا ينقطع المسلم عنها لسبب من الأسباب ( ويبدو ذلك كذلك في المرض حيث تؤدى الصلاة من قعود ، أو من اضطجاع ، أو من نوم . وتؤدى بحركات من جفني العين عندما يشق تحريك الجسم والأطراف ! ) إنها هذه الصلة بين العبد والرب . الصلة التي لا يحب اللّه للعبد أن ينقطع عنها . لأنه - سبحانه - يعلم ضرورتها لهذا العبد . فاللّه سبحانه غني عن العالمين . ولا يناله من عبادة العباد شيء . إلا صلاحهم هم . وإلا