سيد قطب
661
في ظلال القرآن
والبخل والأمر بالبخل ، وكتمان فضل اللّه ونعمته بحيث لا تظهر آثارها في إحسان أو عطاء ؛ أو الإنفاق رياء وتظاهرا طلبا للمفخرة عند الناس ؛ إذ لا إيمان بجزاء آخر غير الفخر والخيلاء بين العباد ! وهكذا تتحدد « الأخلاق » . . أخلاق الإيمان . وأخلاق الكفر . . فالباعث على العمل الطيب ، والخلق الطيب ، هو الإيمان باللّه واليوم الآخر ، والتطلع إلى رضاء اللّه . . وجزاء الآخرة . فهو باعث رفيع لا ينتظر صاحبه جزاء من الناس ، ولا يتلقاه ابتداء من عرف الناس ! فإذا لم يكن هناك إيمان باله يبتغى وجهه ، وتتحدد بواعث العمل بالرغبة في رضاه . وإذا لم يكن هناك اعتقاد بيوم آخر يتم فيه الجزاء . . اتجه هم الناس إلى نيل القيم الأرضية المستمدة من عرف الناس . وهذه لا ضابط لها في جيل واحد في رقعة واحدة ، فضلا عن أن يكون لها ضابط ثابت في كل زمان وفي كل مكان ! وكانت هذه هي بواعثهم للعمل . وكان هناك التأرجح المستمر كتأرجح أهواء الناس وقيمهم التي لا تثبت على حال ! وكان معها تلك الصفات الذميمة من الفخر والخيلاء ، والبخل والتبخيل ، ومراءاة الناس لا التجرد والإخلاص ! والتعبير القرآني يقول : إن اللّه « لا يحب » هؤلاء . . واللّه - سبحانه - لا ينفعل انفعال الكره والحب . إنما المقصود ما يصاحب هذا الانفعال في مألوف البشر من الطرد والأذى وسوء الجزاء : « وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً » . . والإهانة هي الجزاء المقابل للفخر والخيلاء . ولكن التعبير القرآني يلقي ظلاله - إلى جوار المعنى المقصود - وهي ظلال مقصودة ؛ تثير في النفوس الكره لهذه الصفات ، ولهذه التصرفات ؛ كما تثير الاحتقار والاشمئزاز . وبخاصة حين يضم إليها أن الشيطان هو قرينهم : « وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً » ! وقد ورد أن هذه النصوص نزلت في جماعة من يهود المدينة . . وهي صفات تنطبق على اليهود ، كما تنطبق على المنافقين . . وكلاهما كان موجودا في المجتمع المسلم في ذلك الحين . . وقد تكون الإشارة إلى كتمانهم ما آتاهم اللّه من فضله ، تعني كذلك كتمانهم للحقائق التي يعرفونها في كتبهم عن هذا الدين ، وعن رسوله الأمين . . ولكن النص عام ، والسياق بصدد الإحسان بالمال وبالمعاملة . فأولى أن نترك مفهومه عاما . لأنه الأقرب إلى طبيعة السياق . وحين ينتهي من عرض سوءات نفوسهم ؛ وسوءات سلوكهم ؛ ومن عرض أسبابها من الكفر باللّه واليوم الآخر ، وصحبة الشيطان واتباعه ؛ ومن الجزاء المعد المهيأ لأصحاب هذه السوءات ، وهو العذاب المهين . . عندئذ يسأل في استنكار : « وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ؟ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً . إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً » . . أجل ! ما ذا عليهم ؟ ما الذي يخشونه من الإيمان باللّه واليوم الآخر ، والإنفاق من رزق اللّه . واللّه عليم بهم بما أنفقوا وبما استقر في قلوبهم من بواعث . واللّه لا يظلم مثقال ذرة فلا خشية من الجهل بإيمانهم وإنفاقهم . ولا خوف من الظلم في جزائهم . . بل هناك الفضل والزيادة ، بمضاعفة الحسنات ، والزيادة من فضل اللّه بلا حساب ؟ إن طريق الإيمان أضمن وأكسب - على كل حال وعلى كل احتمال - وحتى بحساب الربح المادي والخسارة المادية ، فإن الإيمان - في هذه الصورة - يبدو هو الأضمن وهو الأربح ! فما ذا عليهم لو آمنوا باللّه واليوم الآخر ، وأنفقوا مما رزقهم اللّه ؟ إنهم لا ينفقون من شيء خلقوه لأنفسهم خلقا ؛ إنما هو رزق اللّه لهم . ومع ذلك