سيد قطب

655

في ظلال القرآن

وعلى أية حال ، فالذي يقرر هذه الإجراءات ، هو الذي خلق . وهو أعلم بمن خلق . وكل جدال بعد قول العليم الخبير مهاترة ؛ وكل تمرد على اختيار الخالق وعدم تسليم به ، مفض إلى الخروج من مجال الإيمان كله . . وهو - سبحانه - يقررها ، في جو وفي ملابسات تحدد صفتها ، وتحدد النية المصاحبة لها ، وتحدد الغاية من ورائها . بحيث لا يحسب على منهج اللّه تلك المفهومات الخاطئة للناس في عهود الجاهلية ؛ حين يتحول الرجل جلادا - باسم الدين ! - وتتحول المرأة رقيقا - باسم الدين ! - أو حين يتحول الرجل امرأة ؛ وتتحول المرأة رجلا ؛ أو يتحول كلاهما إلى صنف ثالث مائع بين الرجل والمرأة - باسم التطور في فهم الدين - فهذه كلها أوضاع لا يصعب تمييزها عن الإسلام الصحيح ومقتضياته في نفوس المؤمنين ! وقد أبيحت هذه الإجراءات لمعالجة أعراض النشوز - قبل استفحالها - وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها ، فور تقريرها وإباحتها . وتولى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بسنته العملية في بيته مع أهله ، وبتوجيهاته الكلامية علاج الغلو هنا وهناك ، وتصحيح المفهومات في أقوال كثيرة : ورد في السنن والمسند : عن معاوية بن حيدة القشيري ، أنه قال : يا رسول اللّه ما حق امرأة أحدنا عليه ؟ قال : « أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت . ولا تضرب الوجه . ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت » . . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة : قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - « لا تضربوا إماء اللّه » . . فجاء عمر - رضي اللّه عنه - إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « فقال : ذئرت النساء على أزواجهن ! فرخص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ضربهن . فأطاف بآل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نساء كثير يشتكين أزواجهن ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن . . ليس أولئك بخياركم » ! ! وقال - صلى اللّه عليه وسلم - « لا يضرب أحدكم امرأته كالعير يجلدها أول النهار . ثم يضاجعها آخره » « 1 » . وقال : « خيركم خيركم لأهله . وأنا خيركم لأهلي » « 2 » . . ومثل هذه النصوص والتوجيهات ؛ والملابسات التي أحاطت بها ؛ ترسم صورة لصراع الرواسب الجاهلية مع توجيهات المنهج الإسلامي ، في المجتمع المسلم ، في هذا المجال . وهي تشبه صورة الصراع بين هذه الرواسب وهذه التوجيهات في شتى مجالات الحياة الأخرى . قبل أن تستقر الأوضاع الإسلامية الجديدة ، وتعمق جذورها الشعورية في أعماق الضمير المسلم في المجتمع الإسلامي . . وعلى أية حال فقد جعل لهذه الإجراءات حد تقف عنده - متى تحققت الغاية - عند مرحلة من مراحل هذه الإجراءات . فلا تتجاوز إلى ما وراءها : « فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا » . . فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة . مما يدل على أن الغاية - غاية الطاعة - هي المقصودة . وهي طاعة الاستجابة لا طاعة الإرغام . فهذه ليست طاعة تصلح لقيام مؤسسة الأسرة ، قاعدة الجماعة .

--> ( 1 ) عن أبي هريرة . ذكره صاحب مصابيح السنة في الصحاح . ( 2 ) رواه الترمذي والطبراني .