سيد قطب
643
في ظلال القرآن
تغزو الرجال ولا نغزو ، ولنا نصف الميراث . . فأنزل اللّه : « وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ » . ورواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه . من حديث الثوري ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد . قال : قالت أم سلمة : يا رسول اللّه . لا نقاتل فنستشهد ، ولا نقطع الميراث . . فنزلت الآية . . ثم أنزل اللّه : « أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى » . . . الآية . وقال السدي في الآية : إن رجالا قالوا : إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء ، كما لنا في السهام سهمان ! وقالت النساء : إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء ، فإننا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا ! فأبى اللّه ذلك ، ولكن قال لهم : سلوني من فضلي . قال ليس بعرض الدنيا . . وروي مثل ذلك عن قتادة . . كذلك وردت روايات أخرى بإطلاق معنى الآية : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية ، قال : « ولا يتمنى الرجل فيقول : ليت لي مال فلان وأهله . فنهى اللّه عن ذلك . ولكن يسأل من فضله . . وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا . . ونجد في الأقوال الأولى ظلالا من رواسب الجاهلية في تصور ما بين الرجال والنساء من روابط ؛ كما نجد روائح للتنافس بين الرجال والنساء ، لعلها قد أثارتها تلك الحريات والحقوق الجديدة التي علمها الإسلام للمرأة ، تمشيا مع نظريته الكلية في تكريم الإنسان بجنسيه ، وفي إنصاف كل جنس فيه وكل طبقة وكل أحد . . إنصافه حتى من نفسه التي بين جنبيه . . ولكن الإسلام إنما كان يستهدف من هذا كله تحقيق منهجه المتكامل بكل حذافيره . لا لحساب الرجال ، ولا لحساب النساء ! ولكن لحساب « الإنسان » ولحساب « المجتمع المسلم » ولحساب الخلق والصلاح والخير في إطلاقه وعمومه . وحساب العدل المطلق المتكامل الجوانب والأسباب . إن المنهج الإسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف ؛ وتقسيم الأنصبة بين الرجال والنساء . والفطرة ابتداء جعلت الرجل رجلا والمرأة امرأة ؛ وأودعت كلا منهما خصائصه المميزة ؛ لتنوط بكل منهما وظائف معينة . . لا لحسابه الخاص . ولا لحساب جنس منهما بذاته . ولكن لحساب هذه الحياة الإنسانية التي تقوم ، وتنتظم ، وتستوفي خصائصها ، وتحقق غايتها - من الخلافة في الأرض وعبادة اللّه بهذه الخلافة - عن طريق هذا التنوع بين الجنسين ، والتنوع في الخصائص والتنوع في الوظائف . . وعن طريق تنوع الخصائص ، وتنوع الوظائف ، ينشأ تنوع التكاليف ، وتنوع الأنصبة ، وتنوع المراكز . . لحساب تلك الشركة الكبرى والمؤسسة العظمى . . المسماة بالحياة . . وحين يدرس المنهج الإسلامي كله ابتداء ، ثم يدرس الجانب الخاص منه بالارتباطات بين شطري النفس الواحدة ، لا يبقى مجال لمثل ذلك الجدل القديم الذي ترويه هذه الروايات ، ولا كذلك للجدل الحديث ، الذي يملأ حياة الفارغين والفارغات في هذه الأيام . ويطغى أحيانا على الجادين والجادات بحكم الضجيج العام ! إنه عبث تصوير الموقف كما لو كان معركة حادة بين الجنسين ، تسجل فيه المواقف والانتصارات . . ولا يرتفع على هذا العبث محاولة بعض الكتاب الجادين تنقص « المرأة » وثلبها ، وإلصاق كل شائنة بها . . سواء كان ذلك باسم الإسلام أو باسم البحث والتحليل . . فالمسألة ليست معركة على الإطلاق ! إنما هي تنويع وتوزيع . وتكامل . وعدل بعد ذلك كامل في منهج اللّه .