سيد قطب

642

في ظلال القرآن

سَيِّئاتِكُمْ » . . . الآية . ثم قال : هل علم أهل المدينة ؟ أو قال : هل علم أحد بما قدمتم ؟ قالوا : لا . قال : لو علموا لوعظت بكم « 1 » ! » . فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع ؛ وقد قوّم القرآن حسه ؛ وأعطاه الميزان الدقيق . . « قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات ! » ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون ! إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزامات ، وبذل الجهد في هذا الوفاء . . إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال . وفي سياق الحديث عن الأموال ، وتداولها في الجماعة ، تجيء تكملة فيما بين الرجال والنساء من ارتباطات ومعاملات . وفيما كان من عقود الولاء وعلاقاتها بنظام التوريث العام . الذي سبق تفصيله في أوائل السورة : « ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض . . للرجال نصيب مما اكتسبوا ، وللنساء نصيب مما اكتسبن . . واسألوا اللّه من فضله . إن اللّه كان بكل شيء عليما . ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون . والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم . إن اللّه كان على كل شيء شهيدا . . » والنص عام في النهي عن تمني ما فضل اللّه بعض المؤمنين على بعض . . من أي أنواع التفضيل ، في الوظيفة والمكانة ، وفي الاستعدادات والمواهب ، وفي المال والمتاع . . وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة في هذه الحياة . . والتوجه بالطلب إلى اللّه ، وسؤاله من فضله مباشرة ؛ بدلا من إضاعة النفس حسرات في التطلع إلى التفاوت ؛ وبدلا من المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد وحقد ؛ ومن حنق كذلك ونقمة ، أو من شعور بالضياع والحرمان ، والتهاوي والتهافت أمام هذا الشعور . . وما قد ينشأ عن هذا كله من سوء ظن باللّه ؛ وسوء ظن بعدالة التوزيع . . حيث تكون القاصمة ، التي تذهب بطمأنينة النفس ، وتورث القلق والنكد ؛ وتستهلك الطاقة في وجدانات خبيثة ، وفي اتجاهات كذلك خبيثة . بينما التوجه مباشرة إلى فضل اللّه ، هو ابتداء التوجه إلى مصدر الإنعام والعطاء ، الذي لا ينقص ما عنده بما أعطى ، ولا يضيق بالسائلين المتزاحمين على الأبواب ! وهو بعد ذلك موئل الطمأنينة والرجاء ؛ ومبعث الإيجابية في تلمس الأسباب ، بدل بذل الجهد في التحرق والغيظ أو التهاوي والانحلال ! النص عام في هذا التوجيه العام . ولكن موضعه هنا من السياق ، وبعض الروايات عن سبب النزول ، قد تخصص من هذا المعنى الشامل تفاوتا معينا ، وتفضيلا معينا ، هو الذي نزل هذا النص يعالجه . . هو التفاضل في أنصبة الرجال وأنصبة النساء . . كما هو واضح من سياق الآية في عمومها بعد ذلك . . وهذا الجانب - على أهميته الكبرى في تنظيم العلاقة بين شطري النفس البشرية وإقامتها على الرضا وعلى التكامل ؛ وإشاعة هذا الرضا - من ثم - في البيوت وفي المجتمع المسلم كله ؛ إلى جانب إيضاح الوظائف المنوعة فيه بين الجنسين والمهام . . هذا الجانب على أهميته هذه لا ينفي عموم النص مع خصوص السبب . . ولهذا روت التفاسير المأثورة ، هذا المعنى وذاك : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قالت أم سلمة : يا رسول اللّه ،

--> ( 1 ) رواه ابن كثير في التفسير وقال عنه : إسناد صحيح ، ومتن حسن . وإن كان من رواية الحسن عن عمر - وفيها انقطاع - إلا أن مثل هذا اشتهر به فتكفي شهرته .