سيد قطب
641
في ظلال القرآن
ومن ثم هذا التوازن بين التكليف والطاقة . وبين الأشواق والضرورات . وبين الدوافع والكوابح . وبين الأوامر والزواجر . وبين الترغيب والترهيب . وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة . . إنه حسب هذا الدين من النفس البشرية أن يتم اتجاهها للّه ؛ وأن تخلص حقا في هذا الاتجاه ، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه . . فأما بعد ذلك . . فهناك رحمة اللّه . . هناك رحمة اللّه ترحم الضعف ، وتعطف على القصور ؛ وتقبل التوبة ، وتصفح عن التقصير ؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين ، في إيناس وفي تكريم . . وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى اللّه عنه . أما مقارفة هذه الكبائر - وهي واضحة ضخمة بارزة ؛ لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية ! فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة ؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة . . وحتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة اللّه التي كتبها على نفسه . . وقد قال فيها : « والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا اللّه - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون » . . وعدهم من « المتقين » . إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيئات والذنوب مباشرة من اللّه ، متى اجتنبت الكبائر ؛ وهذا هو وعد اللّه هنا وبشراه للمؤمنين . أما ما هي الكبائر . . فقد وردت أحاديث تعدد أنواعا منها - ولا تستقصيها - وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة تزيد أو تنقص ؛ مما يدل على أن هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة ؛ فتذكر من الكبائر - في كل حديث - ما يناسب الملابسة الحاضرة ، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم « الكبائر » من الذنوب . وإن كانت تختلف عددا ونوعا بين بيئة وبيئة ، وبين جيل وجيل ! ونذكر هنا قصة عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وهو المتحرج المتشدد الشديد الحساسية بالمعصية . تبين - مع ذلك كله - كيف قوّم الإسلام حسه المرهف ، وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم ؛ وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس : قال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ؛ عن الحسن أن ناسا سألوا عبد اللّه بن عمرو بمصر ، فقالوا : نرى أشياء من كتاب اللّه - عزّ وجل - أمر أن يعمل بها ، لا يعمل بها ؛ فاردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك . فقدم وقدموا معه . فلقي عمر - رضي اللّه عنه - فقال : متى قدمت ؟ فقال : منذ كذا وكذا . قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف رد عليه . فقال : أمير المؤمنين إن ناسا لقوني بمصر ، فقالوا : إنا نرى أشياء في كتاب اللّه ، أمر أن يعمل بها ، فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك . قال : فاجمعهم لي . قال فجمعتهم له . قال أبو عون : أظنه قال : في بهو . . فأخذ أدناهم رجلا ؛ فقال أنشدك اللّه ، وبحق الإسلام عليك ، أقرأت القرآن كله ! قال : نعم . قال : فهل أحصيته في نفسك ؟ فقال : اللهم لا - ولو قال : نعم ، لخصمه ! قال : فهل أحصيته في بصرك ؟ فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك « 1 » . . ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال : ثكلت عمر أمه ! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب اللّه ؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات . قال : وتلا : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
--> ( 1 ) يعني هل أحصيته منفذا محققا في نفسك وفي بصرك وفي لفظك . . . إلخ ؟ .