سيد قطب
633
في ظلال القرآن
وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وإنجلترا ، وغيرها من دول الحضارة الحديثة . وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة ، مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870 إلى اليوم ، وهي في طريقها إلى الانهيار التام ، كما تدل جميع الشواهد . وهذه بعض الأمارات التي أخذت تبدو واضحة من بعد الحرب العالمية الأولى : « إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم : اضمحلال قواهم الجسدية ، وتدرجها إلى الضعف يوما فيوما . فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم ؛ وتعبد الشهوات يكاد يأتي على قوة صبرهم وجلدهم ؛ وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم . فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب في المتطوعة للجند الفرنسي ، على فترة كل بضع سنين . لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسير الأيام . . وهذا مقياس أمين ، يدلنا كدلالة مقياس الحرارة - في الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية في الأمة الفرنسية « 1 » . ومن أهم عوامل هذا الاضمحلال : الأمراض السرية الفتاكة . يدل على ذلك أن كان عدد الجنود الذين اضطرت الحكومة إلى أن تعفيهم من العمل ، وتبعث بهم إلى المستشفيات ، في السنتين الأوليين من سني الحرب العالمية الأولى ، لكونهم مصابين بمرض الزهري ، خمسة وسبعين ألفا . وابتلي بهذا المرض وحده 242 جنديا في آن واحد في ثكنة متوسطة . وتصور - باللّه - حال هذه الأمة البائسة في الوقت الذي كانت فيه - بجانب - في المضيق الحرج بين الحياة والموت ، فكانت أحوج ما تكون إلى مجاهدة كل واحد من أبنائها المحاربين لسلامتها وبقائها . وكان كل فرنك من ثروتها مما يضن به ويوفر ؛ وكانت الحال تدعو إلى بذل أكثر ما يمكن من القوة والوقت وسائر الأدوات والوسائل في سبيل الدفاع . وكان - بجانب آخر - أبناؤها الشباب الذين تعطل آلاف منهم عن أعمال الدفاع ، من جراء انغماسهم في اللذات ؛ وما كفى أمتهم ذلك خسرانا ، بل ضيعوا جانبا من ثروة الأمة ووسائلها في علاجهم ، في تلك الأوضاع الحرجة . « يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه : إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري ، وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة . وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى « الدق » . وهذه جريرة مرض واحد من الأمراض السرية التي فيها عدا هذا أمراض كثيرة أخرى « 2 » » . والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير : ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي ، وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد ، لا تدع مجالا لتكوين الأسرة ، ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر . ومن ثم يقل الزواج ، ويقل التناسل ، وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية . « سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم . ولك أن تقدر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوج من أهاليها . ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج ، قل فيهم من ينوون به التحصن والتزام المعيشة البرة الصالحة بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض . حتى إنه كثيرا ما يكون من مقاصد زواجهم أن يحللوا به الولد النغل الذي قد ولدته أمه قبل النكاح ! ويتخذوه
--> ( 1 ) مثل ذلك يقع الآن في أمريكا حيث لا يصلح للجندية ستة من كل سبعة ممن هم في سن التجنيد . وسنة اللّه لا تتخلف . ( 2 ) كتاب الحجاب للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان ص 113 - 114 .