سيد قطب
632
في ظلال القرآن
اجتماعي . . يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح ، من أي لون كان . السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب ، ولا يسكن معه عصب ، ولا يطمئن معه بيت ، ولا يسلم معه عرض ، ولا تقوم معه أسرة . يريدون أن يعود الآدميون قطعانا من البهائم ، ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة ! كل هذا الدمار ، وكل هذا الفساد ، وكل هذا الشر باسم الحرية ، وهي - في هذا الوضع - ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة ! وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر اللّه المؤمنين إياه ، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات . وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي ، الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف . وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي ، الذي لا عاصم منه ، إلا منهج اللّه ، حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء اللّه . واللمسة الأخيرة في التعقيب تتولى بيان رحمة اللّه بضعف الإنسان ، فيما يشرعه له من منهج وأحكام . والتخفيف عنه ممن يعلم ضعفه ، ومراعاة اليسر فيما يشرع له ، ونفي الحرج والمشقة والضرر والضرار . « يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً » . . فأما في هذا المجال الذي تستهدفه الآيات السابقة ، وما فيها من تشريعات وأحكام وتوجيهات ، فإرادة التخفيف واضحة ؛ تتمثل في الاعتراف بدوافع الفطرة ، وتنظيم الاستجابة لها وتصريف طاقتها في المجال الطيب المأمون المثمر ، وفي الجو الطاهر النظيف الرفيع ؛ دون أن يكلف اللّه عباده عنتا في كبتها حتى المشقة والفتنة ؛ ودون أن يطلقهم كذلك ينحدرون في الاستجابة لها بغير حد ولا قيد . وأما في المجال العام الذي يمثله المنهج الإلهي لحياة البشر كلها فإرادة التخفيف تبدو كذلك واضحة ؛ بمراعاة فطرة الإنسان ، وطاقته ، وحاجاته الحقيقية ؛ وإطلاق كل طاقاته البانية . ووضع السياج الذي يقيها التبدد وسوء الاستعمال ! وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج اللّه - وبخاصة في علاقات الجنسين - شاق مجهد . والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح ! وهذا وهم كبير . . . فإطلاق الشهوات من كل قيد ؛ وتحري اللذة - واللذة وحدها - في كل تصرف ؛ وإقصاء « الواجب » الذي لامكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والأخير ؛ وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم ؛ والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي ، ومن كل التزام اجتماعي . . إن هذه كلها تبدو يسرا وراحة وانطلاقا . ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة . وعقابيلها في حياة المجتمع - بل في حياة كل فرد - عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة . . والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي « تحررت ! » من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة ، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب . لو كانت هنالك قلوب ! لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة . حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية . وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة ؛ وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى ؛