سيد قطب

717

في ظلال القرآن

هذا أمر وذاك أمر ؛ ولا علاقة بينهما . . إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل . بين الموعد الذي قدره اللّه وحلول ذلك الموعد . . وليست هنالك علاقة أخرى . . ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال . ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال ! وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر ؛ وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر . . إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية . . فقد سبق أن أمرهم اللّه بأخذ الحذر . وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف . وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة . . ولكن هذا كله شيء ، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر . . إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع ، وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير اللّه . . وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يطاع ؛ وله حكمته الظاهرة والخفية ، ووراءه تدبير اللّه . . توازن واعتدال . وإلمام بجميع الأطراف . وتناسق بين جميع الأطراف . . هذا هو الإسلام . وهذا هو منهج التربية الإسلامي ، للأفراد والجماعات . . وبهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين . ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي ، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها . . هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه ، ولا فصل ، ولا وقفة تنبئ بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى ، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى . . ولكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ! قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ؟ ! ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً » . . إن الذين يقولون هذا القول ، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى اللّه ، وما يصيبهم من الضر إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - يحتمل فيهم وجوه : الوجه الأول : أنهم يتطيرون بالنبي - صلى اللّه عليه وسلّم - فيظنونه - حاشاه - شؤما عليهم . يأتيهم السوء من قبله . فإن أجدبت السنة ، ولم تنسل الماشية ، أو إذا أصيبوا في موقعة ؛ تطيروا بالرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى اللّه ! الوجه الثاني : أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها . وقد يكون تكليف القتال منها - أو أخصها - فبدلا من أن يقولوا : إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال ، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر ! ويقولون : إن الخير يأتيهم من اللّه ، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ومن أوامره . وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر ! والوجه الثالث : هو سوء التصور فعلا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة ، وعلاقته بمشيئة اللّه .