سيد قطب
99
في ظلال القرآن
يمضي هذا الدرس في كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين ؛ وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم ، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر ، وما يبيتون لهم من الكيد والضر ؛ ونهى الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل ؛ ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم ، وكيدهم ودسهم ، وألا عيبهم وفتنهم ، التي يطلقونها في الصف الإسلامي . ويبدو أن اليهود كانوا يتخذون من نسخ بعض الأوامر والتكاليف ، وتغييرها وفق مقتضيات النشأة الإسلامية الجديدة ، والظروف والملابسات التي تحيط بالجماعة المسلمة . . يبدو أنهم كانوا يتخذون من هذا ذريعة للتشكيك في مصدر هذه الأوامر والتكاليف ؛ ويقولون للمسلمين : لو كانت من عند اللّه ما نسخت ولا صدر أمر جديد يلغي أو يعدل أمرا سابقا . . واشتدت هذه الحملة عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ستة عشر شهرا من الهجرة . وكان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قد اتجه بالصلاة - عقب الهجرة - إلى بيت المقدس - قبلة اليهود ومصلاهم - فاتخذ اليهود من هذا التوجه حجة على أن دينهم هو الدين ، وقبلتهم هي القبلة ؛ مما جعل الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يرغب ولا يصرح في التحول عن بيت المقدس إلى الكعبة ، بيت اللّه المحرم . وظلت هذه الرغبة تعتمل في نفسه حتى استجاب له ربه فوجهه إلى القبلة التي يرضاها - كما سيجيء في سياق السورة - ونظرا لما يحمله هذا التحول من دحض لحجة بني إسرائيل فقد عز عليهم أن يفقدوا مثل هذه الحجة ، فشنوها حملة دعاية ماكرة في وسط المسلمين ، بالتشكيك في مصدر الأوامر التي يكلفهم بها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي صحة تلقيه عن الوحي . . أي إنهم وجهوا المعول إلى أساس العقيدة في نفوس المسلمين ! ثم قالوا لهم : إن كان التوجه إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم وعبادتكم طوال هذه الفترة . وإن كان صحيحا