سيد قطب

76

في ظلال القرآن

المحمدية . أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير . 63 - ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . . « وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ، وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » . . وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد اللّه مع المؤمنين . . وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة ، نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد نودي للتكليف : « مضى عهد النوم يا خديجة » . . وكما قال له ربه : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » . . وكما قال لبني إسرائيل : « خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » . « وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . . ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كيلا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد اللّه منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة اللّه وخشية المصير . 64 - ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها : « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » . . ثم أدركتها رحمة اللّه مرة أخرى وشملها فضله العظيم ؛ فأنقذها من الخسار المبين : « فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » . . 65 - ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة ، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به ، والضعف عن احتمال تكاليفه ، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب : « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ : فَقُلْنا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ، فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ » . . وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال : « وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ » . . فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس ، فجعل اللّه لهم يوم السبت راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش . ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت ، وتختفي في غيره ! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود ! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع ؟