سيد قطب
65
في ظلال القرآن
وهذا كله مع الادعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية ؛ وأن اللّه لا يرضى إلا عنها ، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها ! مما يبطله القرآن في هذه الجولة ، ويقرر أن كل من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل ، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . . هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود ، وكشف كيدها ، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين . كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد ، وإلى الأصول التي يقوم عليها ؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه . ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم ، فحرمت مقام الخلافة ، وسلبت شرف القيام على أمانة اللّه في الأرض ، ومنهجه لقيادة البشر . وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها . وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك . وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات ، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير ، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين ؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين ، بأخفى الوسائل ، وأمكر الطرق . وما يملك قلب لم يهتد بنور الإيمان ، ولم يتلق التوجيه من تلك القيادة المطلعة على السر والعلن والباطن والظاهر ، أن يدرك المسالك والدروب الخفية الخبيثة التي يتدسس فيها ذلك الكيد الخبيث المريب . . . ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني ، أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم ، وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك ، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه « 1 » : لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن اللّه خلق ما في الأرض جميعا للإنسان . ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد اللّه الصريح الدقيق ؛ وتكريمه على الملائكة ؛ والوصية والنسيان ، والندم والتوبة ، والهداية والمغفرة ، وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض ، بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس ، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان . مضى السياق بهذا كله في السورة . ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل ، فذكر عهد اللّه معهم ونكثهم له ؛ ونعمته عليهم وجحودهم بها ؛ ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة ، وكتب عليهم الذلة ، وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم . فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل ، واتساق في السياق واضح وفي الأداء .
--> ( 1 ) يراجع فصل القصة في القرآن وفي كتاب « التصوير الفني في القرآن » « دار الشروق » .