سيد قطب

59

في ظلال القرآن

وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة . قصة البشرية الأولى . لقد قال اللّه تعالى للملائكة : « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » . . وإذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى . ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرمة ؟ وفيم إذن كان بلاء آدم ؟ وفيم إذن كان الهبوط إلى الأرض ، وهو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى ؟ لعلني ألمح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادا . كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه . كانت تدريبا له على تلقي الغواية ، وتذوق العاقبة ، وتجرع الندامة ، ومعرفة العدو ، والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين . إن قصة الشجرة المحرمة ، ووسوسة الشيطان باللذة ، ونسيان العهد بالمعصية ، والصحوة من بعد السكرة ، والندم وطلب المغفرة . . إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكرورة ! لقد اقتضت رحمة اللّه بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته ، مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا ، استعدادا للمعركة الدائبة وموعظة وتحذيرا . . وبعد . . مرة أخرى . . فأين كان هذا الذي كان ؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان ؟ ومن هم الملائكة ؟ ومن هو إبليس ؟ . . كيف قال اللّه تعالى لهم ؟ وكيف أجابوه ؟ . . هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه ؛ وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته ، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به ، بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض ، وليس من مستلزمان الخلافة أن نطلع على هذا الغيب . وبقدر ما سخر اللّه للإنسان من النواميس الكونية وعرّفه بأسرارها ، بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب ، فيما لا جدوى له في معرفته . وما يزال الإنسان مثلا على الرغم من كل ما فتح له من الأسرار الكونية يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلا مطلقا ، ولا يملك بأي أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ما ذا سيحدث له بعد لحظة ، وهل النفس الذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه ؟ وهذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر ، لأنه لا يدخل في مقتضيات الخلافة ، بل ربما كان معوّقا لها لو كشف للإنسان عنه ! وهنالك ألوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان ، في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه . ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه ، لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره . وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع ، ذاهب سدى ، بلا ثمرة ولا جدوى . وإذا كان العقل البشري لم يوهب الوسيلة للاطلاع على هذا الغيب المحجوب ؛ فليس سبيله إذن أن يتبجح فينكر . . فالإنكار حكم يحتاج إلى المعرفة . والمعرفة هنا ليست من طبيعة العقل ، وليست في طوق وسائله ، ولا هي ضرورية له في وظيفته ! إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة . ولكن أضر منه وأخطر ، التنكر للمجهول كله وإنكاره ، واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به . . إنها تكون نكسة إلى عالم الحيوان الذي يعيش في المحسوس وحده ، ولا ينفذ من أسواره إلى الوجود الطليق . فلندع هذا الغيب إذن لصاحبه ، وحسبنا ما يقص لنا عنه ، بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا ، ويصلح سرائرنا ومعاشنا . ولنأخذ من القصة ما تشير إليه من حقائق كونية وإنسانية ، ومن تصور للوجود وارتباطاته ، ومن إيحاء بطبيعة الإنسان وقيمه وموازينه . . فذلك وحده أنفع للبشرية وأهدى .