سيد قطب

51

في ظلال القرآن

وقارا ، ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب . يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار ، أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن اللّه ! هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » . . واللّه - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها ، ويتلقاها عباده ، كل وفق طبيعته واستعداده ، وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه . والابتلاء واحد . . ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق . . الشدة تسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن الواثق باللّه وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى اللّه وتضرعا وخشية . وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من اللّه بعدا ، وتخرجه من الصف إخراجا . والرخاء يسلط على شتى النفوس ، فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا . وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء . . وهكذا المثل الذي يضربه اللّه للناس . . « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً » . . ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من اللّه ، « وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً » ممن يدركون حكمة اللّه . « وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ » . . الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق ، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه ! 27 - ويفصل السياق صفة الفاسقين هؤلاء ، كما فصل في أول السورة صفة المتقين ؛ فالمجال ما يزال - في السورة - هو مجال الحديث عن تلك الطوائف ، التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور : « الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ . أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » . . فأي عهد من عهود اللّه هو الذي ينقضون ؟ وأي أمر مما أمر اللّه به أن يوصل هو الذي يقطعون ؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون ؟ لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال ، لأن المجال مجال تشخيص طبيعة ، وتصوير نماذج ، لا مجال تسجيل حادثة ، أو تفصيل واقعة . . إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها . فكل عهد بين اللّه وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض ؛ وكل ما أمر اللّه به أن يوصل فهو بينهم مقطوع ؛ وكل فساد في الأرض فهو منهم مصنوع . . إن صلة هذا النمط من البشر باللّه مقطوعة ، وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهد ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد . إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من شجرة الحياة ، فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة . . ومن ثم يكون ضلالهم بالمثل الذي يهدي المؤمنين ؛ وتجيء غوايتهم بالسبب الذي يهتدي به المتقون . وننظر في الآثار الهدامة لهذا النمط من البشر الذي كانت الدعوة تواجهه في المدينة في صورة اليهود والمنافقين والمشركين ؛ والذي ظلت تواجهه وما تزال تواجهه اليوم في الأرض مع اختلاف سطحي في الأسماء والعنوانات ! « الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ » . . وعهد اللّه المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة : إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي . . أن يعرف خالقه ، وأن يتجه إليه بالعبادة . وما تزال في الفطرة هذه الجوعة للاعتقاد باللّه ، ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون اللّه أندادا وشركاء . . وهو عهد الاستخلاف في الأرض الذي أخذه اللّه على آدم - كما