سيد قطب

44

في ظلال القرآن

11 - وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورئاسة وسلطان كعبد اللّه بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد ، والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، قالُوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ، وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع ، بل يضيفون إليهما السفه والادعاء : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ » . . لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد ، بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير : « قالُوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ » . . والذين يفسدون أشنع الفساد ، ويقولون : إنهم مصلحون ، كثيرون جدا في كل زمان . يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم . ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم . والذين لا يخلصون سريرتهم للّه يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم ، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية ، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية . . 12 - ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ، وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » . . 13 - ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس ، ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ، قالُوا : أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » . . وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء . إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة ، وأسلموا وجوههم للّه ، وفتحوا صدورهم لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين . . هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم . . وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام ! ومن ثم قالوا قولتهم هذه : « أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ؟ » . . ومن ثم جاءهم الرد الحاسم ، والتقرير الجازم : « أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ » . . ومتى علم السفيه أنه سفيه ؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم ؟ ! 14 - ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع ، والسفه والادعاء ، إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام : « وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا : آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ ، إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » . . وبعض الناس يحسب اللؤم قوة ، والمكر السيئ براعة . وهو في حقيقته ضعف وخسة . فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا ، ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا . وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة ،