سيد قطب
38
في ظلال القرآن
ناداهم كافة . . أن يفيئوا إليها . أن يفيئوا إلى عبادة اللّه الواحد ، والخالق الواحد ، والرازق الواحد ، بلا شركاء ولا أنداد . وتحدى الذين يرتابون في رسالة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وتنزيل الكتاب عليه أن يأتوا بسورة من مثله . وأنذرهم إذا تولوا عذابا مفزعا مرهوبا ؛ وبشر المؤمنين وصور ما ينتظر هم من نعيم مقيم . ثم أخذ يرد على اليهود والمنافقين الذين استنكروا ضرب اللّه للأمثال في القرآن ، واتخذوا منه وسيلة للتشكيك في أنه منزل من عند اللّه . وحذرهم ما وراء ضرب الأمثال ، أن يزيدهم ضلالا - كما يزيد المؤمنين هدى - ثم استنكر أن يكفروا باللّه المحيي المميت الخالق المدبر ، العليم بكل شيء في هذا الوجود ، وهو الذي أنعم على البشر فخلق لهم ما في الأرض جميعا واستخلفهم في هذا الملك الطويل العريض . تلك مجمل الخطوط الرئيسية في هذا الدرس الأول من سورة البقرة . فلنحاول أن نتناول هذا الإجمال بشيء من التفصيل . 1 - تبدأ السورة بهذه الأحرف الثلاثة المقطعة : « ألف . لام . ميم » . يليها الحديث عن كتاب اللّه : « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » . . ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية . وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة . نختار منها وجها . إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ، وهي في متناول المخاطبين به من العرب . ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز ، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جوابا ! والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق اللّه جميعا . وهو مثل صنع اللّه في كل شيء وصنع الناس . . إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات . فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة . أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . . ولكن اللّه المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . . ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر . . وهكذا القرآن . . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ، ويجعل منها اللّه قرآنا وفرقانا ، والفرق بين صنع البشر وصنع اللّه من هذه الحروف والكلمات ، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض . . هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة ! 2 - « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ » . . ومن أين يكون ريب أو شك ؛ ودلالة الصدق واليقين كامنة في هذا المطلع ، ظاهرة في عجز هم عن صياغة مثله ، من مثل هذه الأحرف المتداولة بينهم ، المعروفة لهم من لغتهم ؟ « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ . . هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » . . الهدى حقيقته ، والهدى طبيعته ، والهدى كيانه ، والهدى ماهيته . . ولكن لمن ؟ لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونورا ودليلا ناصحا مبينا ؟ . . للمتقين . . فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب . هي