سيد قطب

26

في ظلال القرآن

فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة . إنه يعتقد أن اللّه هو مبدع هذه القوى جميعا . خلقها كلها وفق ناموس واحد ، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس . وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها . وأن على الإنسان أن يشكر اللّه كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها . فاللّه هو الذي يسخرها له ، وليس هو الذي يقهرها : « سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » . . وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة ؛ ولن تقوم بينه وبينها المخاوف . . إنه يؤمن باللّه وحده ، ويعبد اللّه وحده ، ويستعين باللّه وحده . وهذه القوى من خلق ربه . وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها ، فتبذل له معونتها ، وتكشف له عن أسرارها . فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود . . وما أروع قول الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهو ينظر إلى جبل أحد : « هذا جبل يحبنا ونحبه » . . ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد - صلى اللّه عليه وسلم - من ود وألفة وتجاوب ، بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها . وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي ؛ وتقرير الاتجاه إلى اللّه وحده بالعبادة والاستعانة . . يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى اللّه بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » . . « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » . . وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل ؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته . . فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية اللّه ورعايته ورحمته . والتوجه إلى اللّه في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين . وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه . فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين . . وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس اللّه الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى اللّه رب العالمين . ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم : « صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » . . فهو طريق الذين قسم لهم نعمته . لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه . أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلا إليه . . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين . . وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة ، والتي لا تصح بدونها صلاة . وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي ؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور . وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه ، عن أبي هريرة عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يقول اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . . إذا قال العبد : الحمد للّه رب العالمين . قال اللّه : حمدني عبدي . وإذا قال الرحمن الرحيم . قال اللّه أثنى عليّ عبدي . فإذا قال : مالك يوم الدين . قال اللّه : مجدني عبدي . وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين . قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » . . ولعل هذا الحديث الصحيح - بعد ما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة ؛ أو ما شاء اللّه أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة . .