سيد قطب
22
في ظلال القرآن
وحده باجتماع هاتين الصفتين ، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن . فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم ؛ ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن . ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان . . ومهما يختلف في معنى الصفتين : أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة ، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال ؛ إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها . وإذا كان البدء باسم اللّه وما ينطوي عليه من توحيد اللّه وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي . . فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » يمثل الكلية الثانية في هذا التصور ، ويقرر حقيقة العلاقة بين اللّه والعباد . وعقب البدء باسم اللّه الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى اللّه بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . والحمد للّه هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره للّه . . فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء . وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء اللّه وتتواكب وتتجمع ، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان . . ومن ثم كان الحمد للّه ابتداء ، وكان الحمد للّه ختاما قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر : « وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ . . . » . ومع هذا يبلغ من فضل اللّه - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن ، أنه إذا قال : الحمد للّه . كتبها له حسنة ترجح كل الموازين . . في سنن ابن ماجة عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حدثهم أن عبدا من عباد اللّه قال : « يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك » . فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها . فصعدا إلى اللّه فقالا : يا ربنا ، إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها . قال اللّه - وهو أعلم بما قال عبده - : « وما الذي قال عبدي ؟ » قالا : يا رب ، إنه قال : لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . فقال اللّه لهما : « اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها » . . والتوجه إلى اللّه بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره للّه - كما أسلفنا - أما شطر الآية الأخير : « رَبِّ الْعالَمِينَ » فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - واللّه - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملا . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالم والخلائق تحفظ وتتعهد برعاية اللّه رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة . والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف باللّه بوصفه الموجد الواحد للكون ، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريبا مضحكا . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا