سيد قطب

148

في ظلال القرآن

يستهدف هذا الدرس تصحيح عدد من القواعد التي يقوم عليها التصور الإيماني الصحيح ؛ مع الاستمرار في مواجهة يهود المدينة الذين لا يكفون عن تلبيس الحق بالباطل في هذه القواعد ؛ وكتمان الحق الذي يعلمونه في شأنها ؛ وإيقاع البلبلة والاضطراب فيها . . ولكن السياق يتخذ في هذا الدرس أسلوب التعميم ؛ وعرض القواعد العامة ، التي تشمل اليهود وغير هم ممن يرصدون للدعوة . وكذلك يحذر المسلمين من المزالق التي تترصدهم في طريقهم بصفة عامة . ومن ثم نجد بيانا في موضوع الطواف بالصفا والمروة ، بسبب ما كان يلابس هذا الموضوع من تقاليد الجاهلية . وهو بيان يتصل كذلك بمسألة الاتجاه إلى المسجد الحرام في الصلاة ، وإقرار شعائر الحج إلى هذا البيت . لذلك يليه في السياق بيان في شأن أهل الكتاب الذين يكتمون ما أنزل اللّه من البينات والهدى ؛ وحملة عنيفة عليهم ؛ مع فتح باب التوبة لمن يريد أن يتوب . فأما الذين يصرون على الكفر فيعدهم اللعنة الجامعة ، والعذاب الشديد الدائم . ثم بيان لوحدانية اللّه ، وتوجيه إلى الآيات الكونية الشاهدة بهذه الحقيقة . وتنديد بمن يتخذون من دون اللّه أندادا . وعرض مشهد من مشاهد القيامة للتابعين منهم والمتبوعين . يتبرأ بعضهم من بعض وهم يرون العذاب . وبمناسبة ما كان يجادل فيه اليهود من الحلال والحرام في المطاعم والمشارب ، مما نزل به القرآن وبيانه عندهم فيما يكتمونه من التوراة . . تجيء دعوة إلى الناس كافة للاستمتاع بالطيبات التي أحلها اللّه ؛ وتحذير من الشيطان الذي يأمرهم بالسوء والفحشاء . تليها دعوة خاصة للذين آمنوا للاستمتاع بما أحل اللّه لهم والامتناع عما حرم عليهم ، وبيان هذه المحرمات التي يجادل فيها اليهود ويماحلون وهم يعلمون . ومن ثم حملة عنيفة على الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا . وتهديد رعيب بما ينتظرهم في الآخرة من إهمال وغضب واحتقار . وفي نهاية الدرس يرد بيان عن حقيقة البر يتضمن قواعد الإيمان والعمل الصالح ، يصحح به التصور الإيماني ؛ فليس هو شكليات ظاهرية ، وتقليبا للوجوه قبل المشرق والمغرب ، ولكنه شعور وعمل وارتباط باللّه في الشعور والعمل . . وتبدو العلاقة بين هذا البيان والجدل الذي ثار حول القبلة واضحة . وهكذا نجد السياق ما يزال في المعركة . . المعركة في داخل النفوس لتصحيح التصورات والموازين . والمعركة مع الكيد والدس والبلبلة التي يقوم بها أعداء المسلمين . . 158 - « إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ، وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ » . . هناك عدة روايات عن سبب نزول هذه الآية ، أقربها إلى المنطق النفسي المستفاد من طبيعة التصور الذي أنشأه الإسلام في نفوس المجموعة السابقة إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار . . الرواية التي تقول : إن بعض المسلمين تحرجوا من الطواف بالصفا والمروة في الحج والعمرة ، بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلين في الجاهلية ، وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة . فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية .