سيد قطب
140
في ظلال القرآن
يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير . . وهو اللّه . . العلي الكبير . . أي تفضل ! وأي كرم ! وأي فيض في السماحة والجود ! « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » . إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا اللّه الذي لا خازن لخزائنه ، ولا حاسب لعطاياه . الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء . وفي الصحيح : يقول اللّه تعالى : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » . وفي الصحيح أيضا : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال اللّه عزّ وجل : « يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة . . إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ ولا يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب . . وذكر اللّه ليس لفظا باللسان ، إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه ، والشعور باللّه ووجوده والتأثر بهذا الشعور تأثرا ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى ، وإلى رؤية اللّه وحده ولا شيء غيره لمن يهبه اللّه الوصول ويذيقه حلاوة اللقاء . . « وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ » . . والشكر للّه درجات ، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته . وتنتهي بالتجرد لشكره والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن ، وفي كل لفظة لسان ، وفي كل خفقة قلب ، وفي كل خطرة جنان . والنهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التقصير في الذكر والشكر ؛ وتحذير من النقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخط التعيس ! والعياذ باللّه ! ومناسبة هذه التوجيهات والتحذيرات في موضوع القبلة واضحة . وهي النقطة التي تلتقي عندها القلوب لعبادة اللّه ، والتميز بالانتساب إليه ، والاختصاص بهذا الانتساب . وهي كذلك واضحة في مجال التحذير من كيد يهود ودسها ؛ وقد سبق أن الغاية الأخيرة لكل الجهود هي رد المؤمنين كفارا ، وسلبهم هذه النعمة التي أنعم اللّه بها عليهم . . نعمة الإيمان أكبر الآلاء التي ينعم اللّه بها على فرد أو جماعة من الناس . وهي بالقياس إلى العرب خاصة النعمة التي أنشأت لهم وجودا ، وجعلت لهم دورا في التاريخ ، وقرنت اسمهم برسالة يؤدونها للبشرية ، وكانوا بدونها ضائعين ، ولولاها لظلوا ضائعين ، وهم بدونها أبدا ضائعون . فما لهم من فكرة يؤدون بها دورا في الأرض غير الفكرة التي انبثقت منها ؛ وما تنقاد البشرية لقوم لا يحملون فكرة تقود الحياة وتنميها . وفكرة الإسلام برنامج حياة كامل ، لا كلمة تقال باللسان بلا رصيد من العمل الإيجابي المصدق لهذه الكلمة الطيبة الكبيرة . وتذكّر هذه الحقيقة واجب على الأمة المسلمة ليذكرها اللّه فلا ينساها . ومن نسيه اللّه فهو مغمور ضائع لا ذكر له في الأرض ، ولا ذكر له في الملأ الأعلى . ومن ذكر اللّه ذكره ، ورفع من وجوده وذكره في