سيد قطب

136

في ظلال القرآن

بما يلقيه أهل الكتاب هؤلاء من أباطيل وأكاذيب . وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئا في أمر دينهم ، الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين . 147 - وهنا يوجه الخطاب إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب : « الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » . . ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما امترى يوما ولا شك . وحينما قال له ربه في آية أخرى : « فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ » . . قال : « لا أشك ولا أسأل » . . ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه - صلى اللّه عليه وسلم - يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين . سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم . وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير ؛ ونحن - في بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - في أمر ديننا ، ونتلقى عنهم تاريخنا ، ونأمنهم على القول في تراثنا ، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا ، وسيرة أوائلنا ؛ ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام ، ويتخرجون في جامعاتهم ، ثم يعودون إلينا مدخولي العقل والضمير . إن هذا القرآن قرآننا . قرآن الأمة المسلمة . وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره . وأهل الكتاب هم أهل الكتاب ، والكفار هم الكفار . والدين هو الدين ! 148 - ونعود إلى السياق فنراه يصرف المسلمين عن الاستماع لأهل الكتاب والانشغال بتوجيهاتهم ، ويوحي إليهم بالاستقامة على طريقهم الخاص ووجهتهم الخاصة . فلكل فريق وجهته ، وليستبق المسلمون إلى الخير لا يشغلهم عنه شاغل ، ومصيرهم جميعا إلى اللّه القادر على جمعهم وعلى مجازاتهم في نهاية المطاف : « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . وبهذا يصرف اللّه المسلمين عن الانشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وفتن وتأويلات وأقاويل . . يصرفهم إلى العمل والاستباق إلى الخيرات . مع تذكر أن مرجعهم إلى اللّه ، وأن اللّه قدير على كل شيء ، لا يعجزه أمر ، ولا يفوته شيء . إنه الجد الذي تصغر إلى جواره الأقاويل والأباطيل . . 149 - ثم يعود فيؤكد الأمر بالاتجاه إلى القبلة الجديدة المختارة مع تنويع التعقيب : « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . . والأمر في هذه المرة يخلو من الحديث عن أهل الكتاب وموقفهم ، ويتضمن الاتجاه إلى المسجد الحرام حيثما خرج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وحيثما كان ، مع توكيد أنه الحق من ربه . ومع التحذير الخفي من الميل عن هذا الحق . التحذير الذي يتضمنه قوله : « وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . . وهو الذي يشي بأنه كانت هناك حالة واقعة وراءه في قلوب بعض المسلمين تقتضي هذا التوكيد وهذا التحذير الشديد .