سيد قطب

130

في ظلال القرآن

الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ » وهي المسجد الأقصى . عن البراء بن عازب - رضي اللّه عنه - قال : أول ما قدم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - المدينة نزل على أجداده - أو قال أخواله - من الأنصار ؛ وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا ؛ وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ؛ وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون . فقال : أشهد باللّه لقد صليت مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبل الكعبة ، فداروا كما هم قبل البيت . وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس . فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ، فنزلت : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ . . . » فقال السفهاء - وهم اليهود - « ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » « 1 » . وسنلاحظ أن علاج القرآن لهذا التساؤل ولتلك الفتنة يشي بضخامة آثار تلك الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم في ذلك الحين . . والذي يظهر من صيغة التعبير هنا : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ » . أن هذا كان تمهيدا لإعلان تحويل القبلة في المقطع التالي في هذا الدرس ، وأخذا للطريق على الأقاويل والتساؤلات التي علم اللّه أن السفهاء سيطلقونها . . أو كان ردا عليها بعد إطلاقها ، - كما جاء في الحديث السابق - اتخذ هذه الصيغة للإيحاء بأن ما قالوه كان مقدرا أمره ، ومعروفة خطته ، ومعدة إجابته . وهي طريقة من طرق الرد أعمق تأثيرا . وهو يبدأ في علاج آثار هذا التساؤل ، والرد عليه بتلقين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ما يواجههم به ، ويقرّ به الحقيقة في نصابها ؛ وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور . « قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . . إن المشرق للّه والمغرب للّه . فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه . فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها . إنما يفضلها ويخصصها اختيار اللّه وتوجيهه . . واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فإذا اختار لعباده وجهة ، واختار لهم قبلة ، فهي إذن المختارة . وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم . . بذلك يقرر حقيقة التصور للأماكن والجهات ، وحقيقة المصدر الذي يتلقى منه البشر التوجهات ، وحقيقة الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه إلى اللّه في كل حال . 143 - ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون ، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض ، وعن مكانها العظيم في هذه البشرية ، وعن دورها الأساسي في حياة الناس ؛ مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة ، وشخصيتها الخاصة ؛ وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » . . إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط ؛ وتضع لهم الموازين والقيم ؛

--> ( 1 ) أخرجه مالك والشيخان والترمذي .