سيد قطب

105

في ظلال القرآن

وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه ، والسعي في خرابها . كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة ، ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها . وهو قوله : « أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ » . . أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن ، إلا أن يلجئوا إلى بيوت اللّه مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين ( وذلك كالذي حدث في عام الفتح بعد ذلك إذ نادى منادي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوم الفتح : من دخل المسجد الحرام فهو آمن . . فلجأ إليها المستأمنون من جبابرة قريش ، بعد أن كانوا هم الذين يصدون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه ويمنعونهم زيارة المسجد الحرام ! ) . ويزيد على هذا الحكم ما يتوعدهم به من خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة : « لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » . . وهناك تفسير آخر لقوله : « أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ » . . أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا في خوف من اللّه وخشوع لجلالته في بيوته . فهذا هو الأدب اللائق ببيوت اللّه ، المناسب لمهابته وجلاله العظيم . . وهو وجه من التأويل جائز في هذا المقام . 115 - والذي يجعلنا نرجح أن الآيتين نزلتا في مناسبة تحويل القبلة ، هو الآية الثانية منهما : « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » . فهي توحي بأنها جاءت ردا على تضليل اليهود في ادعائهم أن صلاة المسلمين إذن إلى بيت المقدس كانت باطلة ، وضائعة ولا حساب لها عند اللّه ! والآية ترد عليهم هذا الزعم ، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة ، فثم وجه اللّه حيثما توجه إليه عابد . وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند اللّه فيه طاعة ، لا أن وجه اللّه - سبحانه - في جهة دون جهة . واللّه لا يضيق على عباده ، ولا ينقصهم ثوابهم ، وهو عليم بقلوبهم ونياتهم ودوافع اتجاهاتهم . وفي الأمر سعة . والنية للّه « إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ » . . 116 - بعد ذلك يستعرض السياق ضلال تصورهم لحقيقة الألوهية ، وانحرافهم عن التوحيد الذي هو قاعدة دين اللّه ، وأساس التصور الصحيح في كل رسالة . ويقرن تصورهم المنحرف إلى تصورات الجاهلية عن ذات اللّه - سبحانه - وصفاته . ويقرر التشابه بين قلوب المشركين من العرب وقلوب المشركين من أهل الكتاب ، ويصحح للجميع انحرافهم إلى الشرك ، ويوضح لهم قاعدة التصور الإيماني الصحيح : « وَقالُوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . سُبْحانَهُ ! بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ . وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ . كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ . تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ . قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » . . وهذه المقولة الفاسدة : « اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » . . ليست مقولة النصارى وحدهم في المسيح ، فهي كذلك مقولة اليهود في العزير . كما كانت مقولة المشركين في الملائكة . ولم تفصل الآية هنا هذه المقولات ، لأن السياق سياق إجمال للفرق الثلاث التي كانت تناهض الإسلام يومئذ في الجزيرة - ومن عجب أنها لا تزال هي التي تناهضه اليوم تماما ، ممثلة في الصهيونية العالمية والصليبية العالمية ، والشيوعية العالمية ، وهي أشد كفرا من